المقدمة الأولى : إن الإنسان في حياته البدائية كان يغرس جميع مزايا وجوده في أرض المادّية ، حيث تشتغل حواسّه الظاهرية والباطنية بالمادّة ، ومن المعلوم أن أفكاره حينئذ تتبع معلوماته الحسّية ، فإن الأكل والشرب والجلوس والقيام والتكلم والاستماع والذهاب والإياب والحركة والسكون وكلّ ما يقوم به الإنسان من الأعمال وضعت أساسها على المادّة وخواصها . وأما ما نراه منه في بعض الأحيان من الآثار المعنوية كالحب والعداء وعلوّ الهمة ورفعة المقام وأمثالها إنما تدركها بعض الأفهام لأنها تجسّم مصاديق مادّية ، فإن الإنسان يقيس حلاوة القلب بحلاوة
شئ مادّى حلو كالسكر ، وجاذبية الصداقة بجاذبية المغناطيس ، وعظم المقام ورفعته بعظم الجبل وما أشبه هذه الأشياء . ومع ذلك تختلف الأفهام في إدراك المعنويات التي هي أوسع نطاقاً من الماديات ، فإن بعض الأفهام في غاية الانحطاط في درك الأمور المعنوية ، وبعضها تدرك إدراكاً قليلًا وهكذا تتدرج إلى أن تصل بعض الإفهام بسهولة إلى درك أوسع المعنويات وأشرفها .
في ضوء ذلك فإن الأفهام كلّما تقدّمت في درك المعنويات ابتعدت عن المادّة وضعف تعلّقها بالأمور المادّية ، وهذا يعنى أن الإنسان بطبيعته الإنسانية فيه الاستعداد الذاتي لهذا الإدراك ، وبذلك يمكن تربيته وإخراج هذا النوع من الإدراك إلى الفعلية والتحقق .
المقد مة الثانية : بناءً على ما تم في المقدّمة الأولى فإنه لا يمكن حمل ما يدركه الإنسان الذي نال المرتبة العليا من الإدراك والتعقّل ، على الذي هو متردّد في
المرتبة السفلى من الإدراك ، ولو فرض وقوع
الإعجاز بين النظرية والتطبيق — صفحة 193
مساهمون: محمود نعمة الجياشي
ص١٩٣