مع الواقع الخارجي فسوف تبرز مشكلة أخرى هي أن الإنسان مهما بلغ من العلم فهو محدود ، والمفروض أن الواقع ليس محدوداً ، فيعود العجز من جديد .
وأما الجواب عن الإشكال الثاني فبالإمكان القول إن هناك معنى واحداً يمكن بيانه ببيانات مختلفة وتكون
جميعها إعجازية .
وبكلمة مختصرة : إن إعجاز القرآن يتمثّل في أن بيانه أبلغ بيان ، وأن معانيه التي تحكى عنها بياناته هي أفضل وأعمق المعاني ، وأن تلك المعاني مطابقة للواقع الخارجي العيني .
فالقرآن هو الكتاب التدويني الذي يدوّن لنا ما هو موجود في الكتاب التكويني الذي هو الواقع الخارجي على ما هو عليه ، ومع فرض أن الواقع الخارجي ذو مراتب متفاوتة كما هو الصحيح وأن متن الأعيان بعضه مشهود لنا وبعضه الآخر محجوب عن إدراكنا ، فكذلك الكتاب الذي يحكى لنا هذا الواقع يكون ذا مراتب متفاوتة أيضاً ، بعضها ظاهر وبعضها باطن ، وهذا عين ما أكّدته الروايات التي تشير إلى أن للقرآن ظاهراً وباطناً . « 1 » على أن
إرادة الظاهر لا تنفى إرادة الباطن ، وإرادة الباطن لا تزاحم إرادة الظاهر .
لماذا تكلم القرآن بأسلوب الظاهر والباطن ؟
تتضح الإجابة عن هذا السؤال في ضوء المقدّمات الثلاث التالية :
هامش
( 1 ) راجع سفينة البحار ، مادّة « بطن » . وتفسير الصافي ، المقدمة الثامنة .