استناداً إلى معطيات هذه المقدّمات الثلاث نرى أن القرآن الكريم ينظر في تعاليمه القيّمة ، إلى الإنسانية بما هي إنسانية ، أي أنه يوسّع تعاليمه على الإنسان باعتباره قابلًا للتربية والسير في مدارج الكمال .
وحيث إن الإفهام والعقول ذات مستويات متفاوتة في إدراك المعنويات ولا يؤمن الخطر عند إلقاء المعارف العالية كما تقدّم ، نرى القرآن يستعرض تعاليمه بأبسط المستويات التي تناسب العامة ، ويتكلّم في حدود فهمهم وداخل دائرة مداركهم الساذجة .
وهذه الطريقة الحكيمة سوف تنتج بثّ المعارف العالية من خلال اللغة التي يفهمها عامة الناس ، وتقوم ظواهر الألفاظ من خلال هذه الطريقة بعملية الإلقاء بشكل محسوس أو ما يقرب منه ، وتبقى الحقائق المعنوية خلف ستار الظواهر وتتجلى حسب الأفهام ، وينهل منها كلّ شخص بما له من قوة العقل والإدراك ؛ يقول تعالى : إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ وَإِنَّهُ فِى أُم الْكتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِىٌّ حَكيم « 1 » . ويقول ممثّلًا للحق والباطل ومقدار الأفهام : أَنْزَلَ منَ السَّماءِ ماءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا « 2 » . ويقول
النبىّ الأعظم صلى الله عليه وآله :
« إنّا معاشر الأنبياء نكلّم الناس على قدر عقولهم »
« 3 » .
بل يمكن القول إن ثمة نتيجة أخرى لهذه الطريقة في إلقاء
هامش
( 1 ) الزخرف : 4 3 .
( 2 ) الرعد : 17 .
( 3 ) راجع بحار الأنوار : ج 1 ص 37 .