بين يدي النجوى والثانية ترفع ذلك التحتيم « 1 » .
في ضوء ذلك فإن النسخ - بمعنى رفع الحكم الشرعي بعد ثبوته - واقع في
القرآن لا محالة ، فكيف ينسجم هذا الاختلاف مع تحدّى القرآن بعدم وقوع الاختلاف فيه ؟ مضافاً إلى أن النسخ يفضى إما إلى عدم حكمة الناسخ أو إلى جهله ، وكلاهما محال بالنسبة للحقّ سبحانه وتعالى ، أما دلالته على عدم الحكمة فلأنّ الأحكام الشرعية تابعة للمصالح والمفاسد كما هو مذهب العدلية ، ورفع الحكم مع تحقّق مصلحته خلاف الحكمة ، وأما استلزامه الجهل فواضح . من هنا ينبغي التلبّث قليلًا عند حقيقة النسخ الواقع في القرآن ومعرفة كيفية انسجامه مع الإعجاز القرآني ؟
إن المصالح التي تستند عليها الأحكام الشرعية الإلهية لا تكون بالضرورة مصالح مطلقة أو دائمة لكلّ زمان ، بل قد تكون المصلحة مقيّدة بزمان مخصوص ، وعليه فإن الحكم الشرعي الذي ينشأ تبعاً لتحقّقها يكون مقيّداً بزمان خاصّ أيضاً . إلا أن الشارع المقدّس لا يقيّد الحكم الشرعي المذكور عند جعله وإبلاغه إلى الناس ؛ ومن ثمة نتصور أن الحكم
مطلق واقعاً لكلّ زمان ، فلو جاء الحكم الناسخ له حسبنا ذلك اختلافاً في الأحكام وتبدّلًا لها ، بالرغم من ثبات المصالح
هامش
( 1 ) راجع للوقوف على مجمل الآيات المنسوخة كتاب الناسخ والمنسوخ لأبى جعفر النحّاس ( ت 339 ه ) ، تحقيق الدكتور محمد عبد السلام محمد ، ط : 1408 1 ه مكتبة الفلاح ، الكويت .