أن باحثى العلوم الاجتماعية الحديثة أسّسوا نظرياتهم على التحوّل المادّى في المجتمع متغافلين بذلك عن الجانب المعنوي الذي يقتضى التوحيد وفضائل الأخلاق التي هي أمور ثابتة لا ينالها التبدّل والتحوّل .
في ضوء حقيقة الدعوة القرآنية بل دعوة جميع الرسالات السماوية سوف نفهم كيفية التوفيق بين الحداثة والتراث أو الثابت والمتغيّر ، كما يعبّر عنه في الكتابات المعاصرة . فليست وظيفة الإسلام الأساسية هي النظر إلى المادّة
وتحوّلاتها ، ولا أن رسالة الإسلام تتبنّى أوّلًا 1 ذوبالذات عمارة الدنيا ، بل الوظيفة الأساسية لرسالات السماء جميعاً هي دفع الإنسان في مسيرة تكامله الحقيقي نحو القرب من الحقّ سبحانه وتعالى ، وهى مسيرة ثابتة لا تتغيّر ، وهذا لا يعنى أن الحاجات المعنوية للإنسان بمستوى واحد جميعاً ، بل الشريعة اللاحقة تعطى معارف إلهية أكبر وأعمق مما تعطيه الشريعة السابقة وصولًا إلى الرسالة الخاتمة التي أعطت مستوىً في معارف التوحيد والعقائد يتجاوز كلّ ما أعطته الأديان السابقة .
فالقرآن يتحدى أولًا وبالذات بخصوص تلك المعارف التي ترتبط بالكمال الحقيقي للإنسان ، أي المعارف التي تقرّبه من الحق سبحانه وتعالى والتي تنبع جميعها من أصل التوحيد الذي فطر عليه الكائن البشرى تكويناً .
يقرّر العلامة الطباطبائي قدّس سره في
هذا المجال :
« فالقرآن آية للبليغ في بلاغته وفصاحته ، وللحكيم في حكمته ،
الإعجاز بين النظرية والتطبيق — صفحة 149
مساهمون: محمود نعمة الجياشي
ص١٤٩