والسؤال : كيف ينسجم منطق القرآن بين إثبات التدبير لله حصراً بوصف ذلك شأناً من شؤون الربوبيّة وبين ما يتحدّث عنه صراحةً من وساطة الملائكة في التدبير ؟ على أنّ إشكالية التعارض تتعمّق أكثر وتكتسب أبعاداً أكثر تعقيداً حين نرى القرآن لا يقتصر في نسبة التصرّف والتدبير إلى الملائكة وحدها ، بل ينسبه إلى غيرها أيضاً كالجنّ كما في قول الله سبحانه : قَالَ عِفْريتٌ مِنْ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ ( النمل : 39 ) . كما ينسبه إلى الإنسان كذلك ، على ما هو عليه قوله سبحانه : قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنْ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ ( النمل : 40 ) .
أمّا نسبة التصرّف بالأمور الألوهية إلى الأنبياء فله مصاديق كثيرة في القرآن ، كما في حال إبراهيم وسليمان وداود وعيسى عليهم السلام . فعلى لسان إبراهيم الخليل عليه السلام يواجهنا قوله سبحانه : وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنْ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا ( البقرة : 260 ) إذ نسبت الآية دعوة الطير كي تحيى مجدّداً إلى إبراهيم عليه السلام وليس إلى الله جلّ جلاله .
على أنّ المسألة لا تقتصر على هذه الآيات وحدها في نسبة
الإسم الأعظم (حقيقته ومظاهره) — صفحة 39
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص٣٩