وبالجملة : كلّ ما ذكر في الآيات والأخبار : من الآداب الشرعية صراحة أو إشارة ، وجوباً أو حرمة أو استحباباً أو كراهة ، لها دخالة في سعادة الإنسان وشقائه من قبل الولادة إلى الموت .
هذا شمّة من كيفية وقوع الاختلاف في الأفراد الإنسانية ، ولا يكون شيء منها ذاتياً غير معلّل .
وأمّا سبب اختلاف الموادّ الغذائية بل مطلق الأنواع وكيفية وقوع الكثرة في العالم ، فهو أمر خارج عمّا نحن بصدده ، ولا دخالة له بالجبر والاختيار ، بل هو من المسائل الإلهية المطروحة في العلم الأعلى مع اختلاف مشارب الفلاسفة والعرفاء فيه ، فمن كان من أهله فليراجع مظانّه ، ونحن لسنا بصدد بيان الجبر والاختيار وتحقيق الحال في تلك المسألة ؛ فإنّ لها مقاماً آخر ، ولها مبادٍ ومقدّمات مذكورة في الكتب العقلية .
في أنّ السعادة قابلة للتغيير وكذا الشقاوة
ثمّ اعلم : أنّ تلك الاختلافات التي قد أوضحنا سبيلها ونبّهنا على أساسها ، لم تكن من الأمور التي لا تختلف ولا تتخلّف مثل الذاتيات الغير القابلة للتخلّف ، بل الإنسان - أيّ إنسان كان - ما دام كونه في عالم الطبيعة وتعانقه مع الهيولى القابلة للأطوار والاختلافات ، قابل لأن يتطوّر وأن يتبدّل ويتغيّر ؛ إمّا إلى السعادة والكمالات اللائقة به ، أو إلى الشقاوة والأمور المنافية لجوهر فطرته ، كلّ ذلك بواسطة الكسب والعمل .
فالشقيّ الفاسد عقيدةً والسيّء أخلاقاً والقبيح أعمالًا ، قابل لأن يصير سعيداً