وفيه : أنّ القرب والبعد أمران اعتباريان منتزعان من طاعة العبد وعصيانه ، مع أنّ استحقاق العقوبة والمثوبة من تبعات نفس الطاعة والانقياد والتجرّي والعصيان ، والعقل إنّما يحكم باستحقاق العبد المطيع والعاصي للثواب والعقاب بلا توجّه إلى القرب والبعد .
وبعبارة أخرى : الطاعة والمعصية وكذا الانقياد والتجرّي تمام الموضوع لحكم العقل في باب الثواب والعقاب ، بلا دخالة للقرب والبعد في هذا الحكم أصلًا .
وبعبارة ثالثة : إنّ عناوين القرب والبعد واستحقاق العقوبة والمثوبة منتزعات في رتبة واحدة عن الطاعة والعصيان وشقيقيهما ، ولا يمكن أن يكون بعضها موضوعاً لبعض .
ثمّ اعلم : أنّه قدس سره قد اضطرب كلامه في هذا المقام ؛ حيث حكم في أوّل المبحث بأنّ المتجرّي مستحقّ للعقوبة على تجرّيه وهتك حرمة مولاه « 1 » ، وبعد « إن قلتَ . . . قلتُ » ظهر منه أنّ التجرّي سبب للبعد وهو موجب للعقوبة ؛ حيث قال : « إنّ حسن المؤاخذة والعقوبة إنّما يكون من تبعة بعده عن سيّده بتجرّيه عليه » « 2 » ، وظهر منه بلا فصل أنّ التجرّي موجب للبعد وحسن العقوبة كليهما في عرض واحد ؛ حيث قال : « فكما أنّه يوجب البعد عنه ، كذلك لا غرو في أن يوجب حسن العقوبة » « 3 » ، وبعد أسطر صرّح : « بأنّ تفاوت أفراد الإنسان في
هامش
( 1 ) - كفاية الأصول : 298 .
( 2 ) - كفاية الأصول : 300 .
( 3 ) - نفس المصدر .