معنى البعد والقرب والإيراد على المصنّف
قوله : « إنّ حسن المؤاخذة والعقوبة إنّما يكون من تبعة بعده . . . » ( 7 ) .
لا يخفى : أنّ القرب والبعد بالنسبة إلى اللَّه تعالى قد ينتزعان من كمال الوجود ونقصه ، فكلّما كان في وجوده ونعوت وجوده كاملًا تامّاً يكون قريباً من مبدأ الكمال ومعدن التمام ، كالعقول المجرّدة والنفوس الكلّية ، وكلّما كان ناقصاً متشابكاً بالأعدام ومتعانقاً بالكثرات يكون بعيداً عن المقام المقدّس عن كلّ عدم ونقص وقوّة واستعداد ، كالموجودات المادّية الهيولانية .
فالهيولى الأولى الواقعة في حاشية الوجود - حيث كان كمالها عين النقص ، وفعليتها عين القوّة - أبعد الموجودات عن اللَّه تعالى ، والصادر الأوّل أقرب الموجودات إليه تعالى ، والمتوسّطات متوسّطات .
وهذا القرب والبعد الوجودي لا يكونان مناط الثواب والعقاب بالضرورة ، ولعلّه قدس سره يعترف بذلك .
وقد ينتزعان من مقام استكمال العبد بالطاعات والقربات ، أو نفس الطاعات والقربات ، والتحقّق بمقابلاتها من العصيان والتجرّي ، فيقال للعبد المطيع المنقاد :
إنّه مقرَّب [ من ] حضرته قريب من مولاه ، وللعاصي المتجرّي : إنّه رجيم بعيد عن ساحة قدسه .
وهذا مراده من القرب والبعد ظاهراً . فحاصل مرامه : أنّ سبب اختلاف الناس في استحقاق الجنّة والنار ونيل الشفاعة وعدمه ، هو القرب منه تعالى بالانقياد والطاعة ، والبعد عنه بالتجرّي والمعصية .