وليعلم : أنّ مجرّد صدور الفعل عن علم وإرادة ليس موضوع حكم العقل لصحّة العقوبة واستحقاق العقاب ؛ ضرورة أنّ الحيوانات أيضاً إنّما [ تفعل ما تفعل ] بعلم وإرادة ، ولو كانت إرادية الفعل موضوعاً للاستحقاق للزم الحكم باستحقاق الحيوانات ، فما هو الموضوع هو صدور الفعل عن الاختيار الناشئ عن تميّز الحسن من القبيح .
والاختيار عبارة عن ترجيح أحد جانبي الفعل والترك بعد تميّز المصالح والمفاسد الدنيوية والأخروية ، فإنّ الإنسان بعد اشتراكه مع الحيوان بأنّ أفعاله بإرادته وعلمه ، يمتاز عنه بقوّة التميّز وإدراك المصالح الدنيوية والأخروية ، وقوّة الترجيح بينهما ، وإدراك الحسن والقبح بقوّته العقلية المميّزة .
وهذه القوّة مناط التكليف واستحقاق الثواب والعقاب ، لا مجرّد كون الفعل إرادياً ، كما ورد في الروايات :
« أنّ اللَّه لمّا خلق العقل استنطقه . . . »
إلى أن قال :
« بك أثيب ، وبك أعاقب » « 1 »
فالثواب والعقاب بواسطة العقل وقوّة ترجيحه المصالح والمفاسد والحسن والقبح .
هذا ، وأمّا مسألة إرادية الفعل ، فالحقّ في الجواب : أنّ الفعل الإرادي ما صدر عن الإرادة ، فوزان تعلّق الإرادة بالمراد وزان تعلّق العلم بالمعلوم من هذه الحيثية ، فكما أنّ مناط المعلومية هو كون الشيء متعلّقاً للعلم ، لا كون علمه متعلّقاً للعلم الآخر ، كذلك مناط المرادية هو كونه متعلّقاً للإرادة وصادراً عنها ، لا كون إرادته متعلّقاً لإرادة أخرى ، فليتدبّر .
هامش
( 1 ) - راجع الكافي 1 : 10 / 1 .