إذا عرفت ذلك فاعلم : أنّ موضوع علم الأصول هو الحجّة في الفقه ؛ فإنّ الفقيه لمّا رأى احتياجه في علمه إلى الحجّة توجّه إليها ، وجعلها وجهة نفسه ، وتفحّص عن تعيّناتها التي هي الأعراض الذاتية التحليلية لها المصطلحة في باب الكلّيات الخمس ، فالحجّة بما هي حجّة موضوع بحثه وعلمه ، وتعيّناتها - التي هي الخبر الواحد والظواهر والاستصحاب وسائر المسائل الأصولية - من العوارض الذاتية لها بالمعنى الذي ذكرنا ، فعلى هذا يكون البحث عن حجّية الخبر الواحد وغيره بحثاً عن العرض الذاتي التحليلي للحجّة ، وتكون روح المسألة أنّ الحجّة هل هي متعيّنة بتعيّن الخبر الواحد ، أم لا ؟
وبالجملة : بعد ما يعلم الأصولي أنّ للَّهتعالى حجّة على عباده في الفقه ، يتفحّص عن تعيّناتها التي هي العوارض التحليلية لها ، فالموضوع هو الحجّة بنعت اللا بشرطية ، والمحمولات هي تعيّناتها .
وأمّا انعقاد البحث في الكتب الأصولية بأنّ الخبر الواحد حجّة ، أو الظاهر حجّة ، وأمثال ذلك ، فهو بحث صوري ظاهري لسهولته ، كالبحث في الفلسفة عن أنّ النفس أو العقل موجودان ، مع أنّ موضوعها هو الوجود ، وروح البحث فيها : أنّ الوجود متعيّن بتعيّن العقل أو النفس أو الجوهر أو العرض .
هذا ، مع أنّه لو كان البحث في حجّية الخبر الواحد هو بهذه الصورة ، فأوّل ما يرد على الأصوليين : أنّ الحجّة لها سمة المحمولية لا الموضوعية ، كما أنّ هذا الإشكال يرد على الفلاسفة أيضاً ، ونسبة الغفلة والذهول إلى أئمّة الفنّ والفحول غفلة وذهول .
بل لنا أن نقول : إنّ الموضوع - في قولهم : موضوع كلّ علم ما يبحث فيه عن
أنوار الهداية في التعليقة على الكفاية (موسوعة الإمام الخميني 3 و4) — صفحة 215
مساهمون: السيد الخميني
ص٢١٥