تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معالم الحضارة الإسلامية (آفاق وتطلعات) — صفحة 172

مساهمون:

ص١٧٢
الْكُنُوزِ مَآ إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوأُ بِالْعُصْبَةِاوْلِي الْقُوَّةِ ) ، وهي أشبه ما تكون بالصندوق الأسود الذي يحمله الوفد المرافق للرئيس الأميركي ويحرسه أينمايذهب ، ولو إلى سرير النوم ! ! فنصحه المؤمنون العارفون من قومه ، إذ قالوا له : ( لا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ * وَابْتَغِ فِيمَ آءَاتَاكَ اللَّه‌ُالدَّارَ الاخِرَةَ وَلا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَآ أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الارْضِ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِب‌ُالْمُفْسِدِينَ ) . أي إن الفرح والاستعلاء والاستهتار ينتهي إلى الفساد في الأرض ، واللَّه لا يحب المفسدين ؛ لأن ذلك لا يمر في طريق‌وعقيدة اعتبار الثروة مجرد وسيلة إلى إحراز الفوز بالدار الآخرة ، كما أنه يشوش الصورة الحقيقية للدنيا التي أوجدهااللَّه سبحانه وتعالى كمحطة في طريق الدار الآخرة ، بالإضافة إلى أن مجرد اتخاذ اكتساب الثروة هدفاً ذاتياً يؤديبصاحبه إلى الطغيان ، فينسى أصل الإحسان ؛ هذا الأصل الإنساني الكفيل بتحقيق التكافؤ الاجتماعي والتضامن بين‌أفراد الأمة . ولكن قارون ترجم طغيانه واستعلائه بعبارات لا تنم إلّا عن الجهل وانعدام التصور الحق ، فقال لهم . . ( إِنَّمَآ اوتِيتُه‌ُعَلَى عِلْمٍ عِندِي ) . أي أنه نفى حقيقة أن الرزق والإمكانات بيد اللَّه يؤتيهما من يشاء ويمنعهما من يشاء لحكمةوإرادة خاصتين به دون سواه . فقارون لم يكلف نفسه مجرد التفكير في محدوديته ، وأن علمه وأسلوبه ومجهوده في سبيل‌جمع الثروة ، هو نعمة من اللَّه أيضاً ، وأن من دون هذه النعمة الربانية يبقى الإنسان بلا حول ولا قوة . ثم بدأ يتغافل عن نهاية ومصير كل إنسان ، وهو الموت والهلاك ، وتناسى كل صفحات التاريخ البشري ، وخادع نفسه‌بالبقاء إلى أبد الآبدين . . وقد وصف القرآن الكريم واقعه المؤسف هذا بالقول الشريف : ( أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْأَهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعاً وَلا يُسْأَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ الْمجْرِمُونَ ) .