الغربية ، فصفحات التأريخ البشري الخاصة بها تشير إلى أن مثل تلك الحضارات لم تخلف سوى الجهل والتفرقة والاستغلال والدمار في الشعوب التي استولت عليها ، وأوضح دليلعلى ذلك هو ما تعانيه الشعوب الإفريقية أو الآسيوية التي أصبحت مسرحاً لفصول الاستعمار الغربي منذ قرون ، وهذاكله لم يكن له أن يحدث لو لم تكن الحضارة الغربية قائمة على أساس المادة ، ومبنية على أصل اعتبار المال والقوة هدفاًيسعى إليه . . ومثل الحضارة الغربية كانت الحضارة البابلية والمصرية وغيرهما .
لقد عدَّ المؤرخون ك ( تويمبى ) و ( ابن خلدون ) وغيرهما أكثر من عشرين حضارة عبر التأريخ ، كما بينوا عوامل تفوقها وأفولها . وقبلهم كانت آيات القرآن الحكيم وروايات النبي وأهل البيتعليهم السلام قد بينت جميع السننالإلهية الثابتة في نهاية وسقوط الحضارات . . وكانت كلها قد أجمعت الرأي على أن الحضارات القائمة على أساس الطغيان والاستعلاء وعبادة المال والقوة ، محكومة بالفشل مسبقاً ؛ إلّا أن الأمر الذي أطال عمر بعضها دون بعض هو مستوىالظلم والكبت الذي كانت تمارسه ضد شعوبها ، ولكن الأصل في ذلك هو تحقق فشلها الذريع وانكشاف الحقيقة ولو إلىحين .
ولتوضيح هذه الحقيقة القرآنية والتأريخ أضرب مثلًا بهذا الصدد فأقول : إن حركة التنمية الاقتصادية لأية حضارةكانت ، بمثابة حركة القطار الذي تسيره عربة القيادة ، وتجر عدداً من المقطورات . فقد تكون قاطرة ذات تكنولوجيامتقدمة ، ولكن في الوقت ذاته تعود بالضرر على الركاب ، مما يعني أنهم قد لا يصلون إلى النقطة المرجوّة بداعيتسرعهم ، وقد تكون القاطرة - عربة القيادة - بمحركات ذات ضجيج مرتفع جداً ، إذ لا يصل الركاب إلى هدفهم إلّابعد فقدهم لأعصابهم . وثمة قاطرة متفاوتة ، فهي تتصف بالاتزان والتعادل في الحركة والسلامة في نوعية الوقود أوالحمولة ، مع احتمال تأخرها في الوصول .
فقاطرة التقدم الاقتصادي أو الاجتماعي أو السياسي أو التأريخي الأفضل
معالم الحضارة الإسلامية (آفاق وتطلعات) — صفحة 174
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص١٧٤