تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معالم الحضارة الإسلامية (آفاق وتطلعات) — صفحة 171

مساهمون:

ص١٧١
والسلطة من كونها وسيلة إلى هدف وقيمة ذاتية ، الأمر الذي أدى بها إلى التصارع والارتطام على أعلى المستويات . . فكان الإنسان يدخل السوق وهدفه الأول‌والأخير أن يصبح ثرياً ، ساحقاً كل القيم ، متجاوزاً المقدسات والمعايير الإنسانية وأصول التعامل . . فأكل أموال الناس‌والتهام حقوقهم وتعامل بالربا ودفع الرشوة وغش المبتاعين . . وذلك لمجرد اقتناص الدينار والدرهم . وأكثر من ذلك ، كنت ترى مثل هذا الإنسان يتجاوز حتى عواطفه ويضيق على أهله من الأبناء والزوجة ، بل وعلى نفسه أيضاً ، بداعيعلاقته بالثروة التي تعمقت ووصلت إلى حد العبادة . وكم من رجل جمع مالًا ، ولكنه تركه لغيره ؛ وكم كان من الناس من عبد القدرة والسلطة ، تاركين المقدسات وراءأظهرهم . . هذا ما كان على المستوى الفردي ، أما على مستوى الحضارات ، فقد عرفنا أن الكثير من المدنيات قد قامت على أساس‌هذا النوع من التوجه والاهتمام ، وهي الآن في عالم العدم - إن صح التعبير - إذ لا أثر لها إلّا ما جمعته المتاحف أو حوته‌الكتب في احدوثاتها ، لأنها بدلًا من أن تستخدم الثروة والقوة كوسيلة لما هو سامٍ من الأهداف ، اعتبرتها هدفاً ذا قيمة ذاتية ، فضاعت واندثرت أثناء سعيها وراء مثل هذا السراب المخادع ، فامتلكتهم الأموال وتسلطت عليهم القوة ، عوضاًعن أن يمتلكوها أو يمسكوا بأعنتها . ولقد حوى التأريخ أمثلة كثيرة جداً بالنسبة للأفراد أو الحضارات التي درستها الثروة وأصبحت وبالًا عليها . أما المثال الذي خلده القرآن الكريم في أكثر من موقع ؛ فهو مثال قارون ومثال صاحب الجنتين . . . . كان قارون رجلًا بسيطاً من قوم النبي موسىعليه السلام ، أنعم اللَّه عليه ، فنسي نفسه ، معتمداً التآمر حتى ضد الرسالة الإلهية . يقول تبارك اسمه : ( إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وءَاتَيْنَاهُ مِنَ
معالم الحضارة الإسلامية (آفاق وتطلعات) — صفحة 171 | السيد محمد تقي المدرسي