بالنسبة للحركة العالمية ولسائر الشعوب والدول والحضارات ، إذ كانت تجد في الحضارة المدنية الإسلامية كعبتها وقدوتها . فالعالم كله كان شديدالفضول والتطلع إلى الكشف عن تفاصيل حياة المسلمين ؛ كيف يفكرون وكيف يتعاملون وكيف يتقدمون وكيف وكيف . . . وسبب ذلك كله كان المسلمون القمة في التشريعات والتطبيقات ؛ في الحركة والتعاون ، في المال والاقتصاد ، في القوةوالحرية . وليس عجباً أن نرى المؤرخين يؤكدون روعة التقدم الحضاري للمسلمين ، ويصورون أجمل الصور وأروعهاعن طبيعة حياتهم ، حتى أن أحد المؤرخين لم يغفل عن إحصاء عدد الحمامات في بغداد ، حيث وصل إلى زهاء الألف ، وكذا المساجد والمدارس والمستشفيات والحوزات العلمية ، وكانت أهمها الحوزة التي يشرف على إدارتها زعيم الشيعةونقيب الطالبيين والأشراف السيد الشريف المرتضى الملقب ب ( علم الهدى ) ومن بعده شيخ الطائفة أبو جعفر الطوسي ، اللذان كانا يهتمان كل الاهتمام بالطلبة والدارسين ، وكان من أمر علم الهدى أن صنع لكل واحد منطلابه مفتاحاً خاصاً به لأخذ ما يحتاجه - من دون حرج - من بيت المال الخاص بالحوزة العلمية المشار إليها آنفاً ، حيث تجمع فيها المخصصات والنذورات والهدايا والحقوق الشرعية ، وما كان أحد من طلابه يأخذ أكثر من حاجتهاليومية . ولعمري إن في ذلك المصداق الأكبر في الأمانة من جهة ، والاهتمام بالتطور العلمي ، وما ذاك إلّا صورة مصغرةللغاية عن عظمة ما وصلت إليه العقلية الإسلامية المخلصة والطامحة للتطور ، وسبق الأمم الأخرى من جهة ثانية .
لقد كان العالم يجهل حياة وطبيعة المسلمين ، ولكن الأمر قد انعكس تماماً في الزمن الحاضر ، وإذا الحضارة والقوةوالقدرة قد انتقلت إلى مناطق أخرى ، فالمسلم أينما يولي وجهه فهو يسمع خبراً علمياً صادراً من أوروبا أو أميركا أواليابان ، فاليوم تم اكتشاف علاج مرض السل ، وخبر آخر يشير إلى غزو الفضاء ، وآخر يتحدث عن التطور الصناعيو . . و . .
بلى ؛ إن تطور وتقدم المسلمين آنذاك كانت له أسبابه ، واضمحلالهم - فيما بعد - كانت له أسباب أيضاً . وكذلك العالمالغربي محكوم بنفس القانون ، فإذا كانت القوة والقدرة والرقي موجوداً اليوم في الحضارة المدنية الغربية ؛ فإن ذلك كله قد يتلاشى -
معالم الحضارة الإسلامية (آفاق وتطلعات) — صفحة 147
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص١٤٧