فَبَغى عَلَيْهِمْ ) ( القصص / 76 ) ، فهذا الرجل كان صاحب أموال طائلة فبغى واعتدى على قومه . فالقرآن الكريم لا يقول إنّه أصبح صاحب ثروة ، بل قال إنّه بغى عليهم ؛ أي إنّه أصبح إنساناً باغياً ، وبنى كيانه على أساس الظلم والبغي . فالإنسان عادة لا يصبح ممتلكاً للثروات الهائلة إلّا بالبغي والظلم والاعتداء على ثروات الآخرين .
ثم يقول الله سبحانه وتعالى واصفاً الثروات العريضة التي كان قارون يمتلكها : ( وَآتَيْناهُ مِنَ الْكُنُوزِ ما إِنَّ مَفاتِحَهُ لَتَنُوأُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ ) ( القصص / 76 ) .
ففي تلك الأيام كانت المفاتيح ضخمة ، وكلّ كنز كان له مفتاح ، ولذلك فعندما كان قارون يريد أن يخرج كانت هناك عصبة من الشباب الأقوياء تمشي وراءه ليحملوا له مفاتيح كنوزه .
وكانت أوّل نصيحة قدّمها له العقلاء والأتقياء من قومه أن قالوا له : ( لا تَفْرَحْ إِنَّ اللّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحينَ ) ( القصص / 76 ) ؛ أي لا تفقد ذاتك ، ولا تخسر شخصيّتك ، ولا تفقد إحساسك بالأخطار المحدقة بك لمجرّد أنك امتلكت بعض المال . وربّما يعني الفرح هنا وفي آيات أخرى مشابهة إحساس الإنسان بالنشوة ، والامتلاء ، وأنه قد أدّى ما عليه ووصل إلى قمّة المجد .
لماذا الفرح ؟
إنّ الإنسان الذي يمتلك المال قد لا يمتلك الأدب ، وقد لا يكون صاحب علم ، وقد يكون ما يزال فقيراً بالنسبة إلى جوانب أخرى في حياته ، فلماذا يفرح ؟
الإنسان وآفاق المسؤولية — صفحة 105
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص١٠٥