والمثال الواضح على ذلك من التأريخ معركة بدر الكبرى ، حيث ذهب المسلمون للحصول على المغانم وإذا بهم يواجهون ألف فارس من فرسان الجزيرة العربية مدججين بالسلاح ، مع أن المسلمين كانوا قليلي العدد لا يملكون سوى أسلحة بسيطة تعد لا شئ بالقياس إلى الأسلحة التي يتمتع بها العدو .
ويروي لنا عز وجل هذه الحادثة التأريخية ، قائلًا : ( إِذْ أَنْتُم بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَاوَهُم بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَلَوْ تَوَاعَدتُّمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ ) ( الأنفال / 42 ) .
فقد كانت مواقع الطرفين في المعركة مختلفة ، ولو كانت هذه الحرب مقصودة ومدبرة سلفاً ، لكانت احتمالات وقوعها قليلة ، خصوصاً مع عدم تهيؤأفراد الجيش لهذه المعركة . ولكن الله سبحانه وتعالى يقول : ( لِيَقْضِيَ اللّهُ أَمْرَاً كَانَ مَفْعُولًا ) ( الأنفال / 42 )
فالأمر الذي أراده الله تعالى من فجائية الحرب ، هو معرفة الانسان لحقيقة طاقاته وقدراته ، لكي يستطيع أن يدعي حينئذ أنه قادر على فتح البلاد وإدارة العباد ، لا أن تفند كل ادعاءاته هذه عندما تأتي ساعة المواجهة .
ويؤكد عز وجل على فلسفة المباغتة والمفاجأة ، قائلًا : ( لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وإِنَّ اللّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ ) ( الأنفال / 42 ) وهو سميع عليم ، لأنه يراقب مجريات المعركة عن كثب ، ويعلم بما في صدور المسلمين .
الإبتلاء مدرسة الإستقامة — صفحة 47
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٤٧