والتدبّر في هذه الآيات يفرز توجيهاً عاماً يهدف إلى ترسيخ هذه الفكرة في النفس البشرية .
ولكن لماذا كلّ هذا الاصرار على تأكيد فكرة المسؤولية ؟
الجواب : إن الإنسان يهرب دائماً من تحمل المسؤولية ، ولا يريد أن يوحي إلى نفسه أنّه مسؤول ، ويرى من الصعب عليه أن يحمّل نفسه هذه الأمانة ، فيبعدها عنه حتى أنه ينسب الأخطاء والسلبيات إلى ما حوله تخلّصاً من المسؤولية . ولكن القرآن الكريم يقول : ( وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ إِنَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ) ( هود / 111 ) . ونحن نلاحظ أن في هذه الآية ستة تأكيدات تركّز الكلام ، لكي يكرّس القرآن روح المسؤولية في أنفسنا .
إستقم ولا تطغى
ثم يقول تعالى : ( فَاسْتَقِمْ كَمَآ امِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا ) ( هود / 112 ) ، وهذه الآية تطالب بالاستقامة البعيدة عن التكبر والتعالي والطغيان ، وعن المنّة على الله عز وجل ، بأننا قد استقمنا . فالاستقامة يجب أن تكون مع التواضع ، وهي ليست بالأمر الهيّن اليسير ، خصوصاً عندما يشتدّ البلاء ، وتزداد المصائب ، وتطول المدّة . . حينذاك يجدر بالانسان أن لا يتراجع أو يتخاذل ويتكاسل ، بل ينبغي أن يصبر ويستقيم ، لأن الاستقامة هي بحد ذاتها - عامل من عوامل النجاح .
وللأسف فإننا نرى أن نشاطات البعض موسمية تتحكم فيها الأهواء ، والأمزجة ؛ فهم لا يعملون إلّا عندما تهوى أنفسهم العمل ، ويتوقّفون عندما لا يستسيغون التحرك . . ولا يمكن لهؤلاء أن ينجحوا في حياتهم ، لأن الحياة
الإبتلاء مدرسة الإستقامة — صفحة 127
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص١٢٧