فالطريق السليم والمستقيم لا يرسمه الإنسان ، والوسائل الصالحة لا يوجدها هو ، بل هي مرسومة من قبل الشريعة البيضاء والدين الحنيف . والوسائل بدورها بمثابة النعمة الربانية على الناس ، وهؤلاء ما عليهم إلا التبيّن في الطريق والانتخاب في الوسائل . والله قد قال في كتابه المجيد : لَيْسَ بِامَانِيِّكُمْ وَلآ أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَاب ( النساء / 123 ) .
إذن ؛ فالدين ليس تلاوة القرآن بقدر ما هو العمل به ، وليس هو ترديد الأذكار والأوراد الخالية عن الفهم العقلي والتضامن القلبي والسلوك الحسي . حيث قال صلى الله عليه وآله : " رب تال القرآن والقرآن يلعنه " . « 1 » وربما يكون الإنسان كما الحمار الذي يحمل أسفاراً ، لا يعي ما فيها ، بل ولا يدرك سبب حمله إياها . . .
وهذه هي العبرة العظيمة التي ينبغي أن نتبصرها من خلال توجيه الرسول صلى الله عليه وآله لأمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام ، حينما رآه قد أجهد نفسه بالعبادة فقال له : " يا علي إن هذا الدين متين فأوغل فيه برفق . . " . « 2 »
وهكذا المثل في بقية أئمة أهل البيت عليهم السلام ، الذين كان الواحد منهم يتبتل إلى ربه تبتيلًا في الليل طلباً لمرضاته ، وفي النهار كان يصل الرحم ويهتم بالفقراء والمساكين ويعلم الناس ويقف بوجه الظالم ويطالبه بكل ما أوتي من قوة بتحقيق العدالة .
ولقد كان الإمام زين العابدين عليه السلام يصلي في الليلة الواحدة ألف ركعة خالصة لوجه الله تعالى ، فإذا أصبح الصباح مشى إلى فراشه حبواً ،
هامش
( 1 ) بحار الأنوار ، ج 89 ، ص 184 .
( 2 ) وسائل الشيعة ، ج 1 ، ص 83 .