صلواته أعظم مؤنس له في ظلِّ ظُلم الطغاة ، فهذا أحمد بن عبد الله ينقل عن أبيه فيقول : ( دَخَلْتُ عَلَى الْفَضْلِ بْنِ الرَّبِيعِ وَهُوَ جَالِسٌ عَلَى سَطْحٍ ، فَقَالَ لِي : أَشْرِفْ عَلَى هَذَا الْبَيْتِ وَانْظُرْ مَا تَرَى ؟ فَقُلْتُ : ثَوْباً مَطْرُوحاً ، فَقَالَ : انْظُرْ حَسَناً ، فَتَأَمَّلْتُ فَقُلْتُ : رَجُلٌ سَاجِدٌ ، فَقَالَ لِي : تَعْرِفُهُ ؟ هُوَ مُوسَى بْنُ جَعْفَرٍ ، أَتَفَقَّدُهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ فَلَمْ أَجِدْهُ فِي وَقْتٍ مِنَ الْأَوْقَاتِ إِلَّا عَلَى هَذِهِ الْحَالَةِ ، إِنَّهُ يُصَلِّي الْفَجْرَ ، فَيُعَقِّبُ إِلَى أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ ، ثُمَّ يَسْجُدُ سَجْدَةً فَلَا يَزَالُ سَاجِداً حَتَّى تَزُولَ الشَّمْسُ ، وَقَدْ وَكَّلَ مَنْ يَتَرَصَّدُ أَوْقَاتَ الصَّلَاةِ ، فَإِذَا أَخْبَرَهُ وَثَبَ يُصَلِّي مِنْ غَيْرِ تَجْدِيدِ وُضُوءٍ ، وَهُوَ دَأْبُهُ ، فَإِذَا صَلَّى الْعَتَمَةَ أَفْطَرَ ، ثُمَّ يُجَدِّدُ الْوُضُوءَ ، ثُمَّ يَسْجُدُ فَلَا يَزَالُ يُصَلِّي فِي جَوْفِ اللَّيْلِ حَتَّى يَطْلُعَ الْفَجْر ، وَقَالَ بَعْضُ عُيُونِهِ : كُنْتُ أَسْمَعُهُ كَثِيراً يَقُولُ فِي دُعَائِهِ :
( اللَّهُمَّ إِنَّكَ تَعْلَمُ أَنَّنِي كُنْتُ أَسْأَلُكَ أَنْ تُفَرِّغَنِي لِعِبَادَتِكَ اللَّهُمَّ وَقَدْ فَعَلْتَ فَلَكَ الحَمْدُ
) « 1 » .
أما قراءته للقرآن ، فيحدثنا عنها حفص ويقول : ( مَا رَأَيْتُ أَحَداً أَشَدَّ خَوْفاً عَلَى نَفْسِهِ مِنْ مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ عليه السلام ، وَلَا أَرْجَى لِلنَّاسِ مِنْهُ ، وَكَانَتْ قِرَاءَتُهُ حَزَناً ، فَإِذَا قَرَأَ فَكَأَنَّهُ يُخَاطِبُ إِنْسَاناً ) « 2 » .
لقد علّمه القرآن الكريم أسمى القيم ، ومن أبرزها الإشفاق على نفسه ، والسعي الدائب لتزكيتها وخلاصها من غضب الرب ، وإصلاحها لتكون موضع محبة الخالق ورضوانه .
بينما كان يرجو للناس كل خير ، ولم يكن رجاؤه مجرداً عن العمل ، بل كان عليه السلام يتقرب إلى الله بالإحسان إلى الناس ، فقد كان يتفقد فقراء
هامش
( 1 ) بحار الأنوار ، ج 48 ، ص 107 - 108 .
( 2 ) بحار الأنوار ، ج 48 ، ص 111 .