وكان عليه السلام يسعى إلى بيت الله الحرام ماشياً لشدة تواضعه لله ، واجتهاده في العبادة ، وإذا عرفنا المسافة بين المدينة ومكة التي تقارب ( 400 ) كليو متر وطبيعة الصحراء في أرض الحجاز ، عرفنا مدى تحمل الإمام للصعاب في سبيل الله .
يقول علي بن جعفر عليه السلام : ( خَرَجْنَا مَعَ أَخِي مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ عليه السلام فِي أَرْبَعِ عُمَرٍ يَمْشِي فِيهَا إِلَى مَكَّةَ بِعِيَالِهِ وَأَهْلِهِ ، وَاحِدَةٌ مِنْهُنَّ مَشَى فِيهَا سِتَّةً وَعِشْرِينَ يَوْماً ، وَأُخْرَى خَمْسَةً وَعِشْرِينَ يَوْماً ، وَأُخْرَى أَرْبَعَةً وَعِشْرِينَ يَوْماً ، وَأُخْرَى أَحَداً وَعِشْرِينَ يَوْماً ) « 1 » .
أما شدة اجتهاده في الصلاة ، وهي قرة عين المؤمنين وملتقى الحبيب مع الحبيب ، فيقول عنها الحديث التالي :
( رُوِيَ أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي نَوَافِلَ اللَّيْلِ وَيَصِلُهَا بِصَلَاةِ الصُّبْحِ ، ثُمَّ يُعَقِّبُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ ، وَيَخِرُّ لِلهِ سَاجِداً فَلَا يَرْفَعُ رَأْسَهُ مِنَ السُّجُودِ وَالتَّحْمِيدِ حَتَّى يَقْرُبَ زَوَالُ الشَّمْسِ ، وَكَانَ يَدْعُو كَثِيراً فَيَقُولُ :
اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الرَّاحَةَ عِنْدَ المَوْتِ ، وَالْعَفْوَ عِنْدَ الْحِسَابِ
، وَيُكَرِّرُ ذَلِكَ . وَكَانَ مِنْ دُعَائِهِ عليه السلام :
عَظُمَ الذَّنْبُ مِنْ عَبْدِكَ فَلْيَحْسُنِ الْعَفْوُ مِنْ عِنْدِكَ
. وَكَانَ يَبْكِي مِنْ خَشْيَةِ اللهِ حَتَّى تَخْضَلَّ لِحْيَتُهُ بِالدُّمُوعِ ، وَكَانَ أَوْصَلَ النَّاسِ لِأَهْلِهِ وَرَحِمِهِ ، وَكَانَ يَفْتَقِدُ فُقَرَاءَ المَدِينَةِ ) « 2 » .
والواقع أن اجتهاد الإمام في عبادة ربه والتبتل إليه بالصلوات والأدعية ، هو السبب الذي بعثه الله به مقاماً محموداً ، وهو الذي أعطاه قدرة تحمل أعباء الرسالة التي نهض بها وضحّى بما لديه في سبيل تبليغها ، وكانت
هامش
( 1 ) بحار الأنوار ، ج 48 ، ص 100 .
( 2 ) بحار الأنوار ، ج 48 ، ص 102 .