ذَلِكَ عَلَى مَا فَعَلَهُ مِنْ سَمِّهِ » « 1 »
. ثالثاً : منذ الأيام الأولى لولايته للعهد انتهز الإمام كل فرصة ممكنة لنشر بصائر الوحي ، وأظهر أنه أحق بالخلافة من غيره ، فمثلًا نقرأ في وثيقة ولايته للعهد ما يدل على أن المأمون إنما عمل بواجبه في الاحتفاء بأهل بيت الرسالة . دعنا نقرأ ونتدبر معاً الوثيقة التالية :
« بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ الحَمْدُ للهِ الْفَعَّالِ لِمَا يَشَاءُ ، لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَلَا رَادَّ لِقَضَائِهِ ، يَعْلَمُ خائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَما تُخْفِي الصُّدُورُ ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى نَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ خَاتَمِ النَّبِيِّينَ وَآلِهِ الطَّيِّبِينَ الطَّاهِرِين .
أَقُولُ وَأَنَا عَلِيُّ بْنُ مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ : إِنَّ أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ عَضَّدَهُ اللهُ بِالسَّدَادِ وَوَفَّقَهُ لِلرَّشَادِ ، عَرَفَ مِنْ حَقِّنَا مَا جَهِلَهُ غَيْرُهُ ، فَوَصَلَ أَرْحَاماً قُطِعَتْ ، وَآمَنَ نُفُوساً فَزِعَتْ ، بَلْ أَحْيَاهَا وَقَدْ تَلِفَتْ ، وَأَغْنَاهَا إِذِ افْتَقَرَتْ ؛ مُبْتَغِياً رِضَا رَبِّ الْعَالَمِينَ لَا يُرِيدُ جَزَاءً مِنْ غَيْرِهِ ، وَسَيَجْزِي اللهُ الشَّاكِرِينَ وَلا يُضِيعُ أَجْرَ المُحْسِنِينَ .
وَإِنَّهُ جَعَلَ إِلَيَّ عَهْدَهُ وَالْإِمْرَةَ الْكُبْرَى إِنْ بَقِيتُ بَعْدَهُ ، فَمَنْ حَلَّ عُقْدَةً أَمَرَ اللهُ بِشَدِّهَا وَقَصَمَ عُرْوَةً أَحَبَّ اللهُ إِيثَاقَهَا فَقَدْ أَبَاحَ حَرِيمَهُ وَأَحَلَّ مُحَرَّمَهُ ؛ إِذْ كَانَ بِذَلِكَ زَارِياً عَلَى الْإِمَامِ مُنْتَهِكاً حُرْمَةَ الْإِسْلَامِ . بِذَلِكَ جَرَى السَّالِفُ ، فَصُبِرَ مِنْهُ عَلَى الْفَلَتَاتِ ، وَلَمْ يُعْتَرَضْ بَعْدَهَا عَلَى الْعَزَمَاتِ ، خَوْفاً عَلَى شَتَاتِ الدِّينِ وَاضْطِرَابِ حَبْلِ المُسْلِمِينَ ، وَلِقُرْبِ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ وَرَصَدِ فُرْصَةٍ تُنْتَهَزُ وَبَائِقَةٍ تُبْتَدَرُ .
وَقَدْ جَعَلْتُ للهِ عَلَى نَفْسِي - إِنِ اسْتَرْعَانِي أَمْرَ المُسْلِمِينَ وَقَلَّدَنِي خِلَافَتَهُ - الْعَمَلَ فِيهِمْ عَامَّةً وَفِي بَنِي الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ خَاصَّةً
هامش
( 1 ) بحار الأنوار ، ج 49 ، ص 144 .