باء : إن المأمون لم يكن صادقاً في عرضه ، فهو كان يدبر حيلة مع حزبه الماكر للإيقاع بالإمام إن قبل ، بعد أخذ الشرعية منه ، كما فعل بالنسبة إلى ولاية العهد .
ثانياً : اشترط في قبوله لولاية العهد ألَّا يتدخل في شؤون الدولة من قريب أو بعيد ، مما أفقدهم القدرة على تمشية الأمور باسم الإمام وكسب الشرعية له ، وأبان للعالمين - ذلك اليوم وللتاريخ إلى الأبد - أنه لا يعترف بشرعية النظام بأي وجه . وقد حاول المأمون مراراً أن يستدرج الإمام للتدخل في الشؤون فلم يقبل ، والحديث التالي يدل على ذلك :
« إنَّ المَأْمُونَ لَمَّا أَرَادَ أَنْ يَأْخُذَ الْبَيْعَةَ لِنَفْسِهِ بِإِمْرَةِ المُؤْمِنِينَ وَلِلرِّضَا عليه السلام بِوِلَايَةِ الْعَهْدِ وَلِلْفَضْلِ بْنِ سَهْلٍ بِالْوِزَارَةِ ، أَمَرَ بِثَلَاثَةِ كَرَاسِيَّ فَنُصِبَتْ لَهُمْ ، فَلَمَّا قَعَدُوا عَلَيْهَا أَذِنَ لِلنَّاسِ فَدَخَلُوا يُبَايِعُونَ فَكَانُوا يُصَفِّقُونَ بِأَيْمَانِهِمْ عَلَى أَيْمَانِ الثَّلَاثَةِ مِنْ أَعْلَى الْإِبْهَامِ إِلَى الْخِنْصِرِ وَيَخْرُجُونَ ، حَتَّى بَايَعَ فِي آخِرِ النَّاسِ فَتًى مِنَ الْأَنْصَارِ فَصَفَّقَ بِيَمِينِهِ مِنَ الْخِنْصِرِ إِلَى أَعْلَى الْإِبْهَامِ ، فَتَبَسَّمَ أَبُو الْحَسَنِ الرِّضَا عليه السلام ، ثُمَّ قَال :
« كُلُّ مَنْ بَايَعَنَا بَايَعَ بِفَسْخِ الْبَيْعَةِ غَيْرَ هَذَا الْفَتَى فَإِنَّهُ بَايَعَنَا بِعَقْدِهَا » .
فَقَالَ المَأْمُونُ : وَمَا فَسْخُ الْبَيْعَةِ مِنْ عَقْدِهَا ؟
قَالَ أَبُو الْحَسَنِ عليه السلام : « عَقْدُ الْبَيْعَةِ هُوَ مِنْ أَعْلَى الْخِنْصِرِ إِلَى أَعْلَى الْإِبْهَامِ ، وَفَسْخُهَا مِنْ أَعْلَى الْإِبْهَامِ إِلَى أَعْلَى الْخِنْصِرِ » .
قَالَ : فَمَاجَ النَّاسُ فِي ذَلِكَ ، وَأَمَرَ المَأْمُونُ بِإِعَادَةِ النَّاسِ إِلَى الْبَيْعَةِ عَلَى مَا وَصَفَهُ أَبُو الْحَسَنِ عليه السلام ، وَقَالَ النَّاسُ : كَيْفَ يَسْتَحِقُّ الْإِمَامَةَ مَنْ لَا يَعْرِفُ عَقْدَ الْبَيْعَةِ ، إِنَّ مَنْ عَلِمَ لَأَوْلَى بِهَا مِمَّنْ لَا يَعْلَمُ ، قَالَ : فَحَمَلَهُ
الإمام الرضا (ع) قدوة وأسوة — صفحة 43
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٤٣