فيقول : إن الفكرة لا تستطيع أن تكون - وهي في مستوى الإحساس - نافعة بيولوجيًّا في حفظ الحياة ، إلَّا إذا كانت تعكس الواقع الموضوعي . فإذا كان صحيحًا : أن الإحساس ليس إلَّا رمزًا دون أيما شبه بالشيء ، وإذا كان يمكن - بالتالي - تطابق أشياء عديدة متغايرة أو أشياء وهمية ومثلها تمامًا أشياء واقعية ؛ عندئذ يكون التعوّد البيولوجي على البيئة مستحيلًا ؛ إذ افترضنا أن الحواس لا تتيح لنا تعيين اتجاهنا بيقين وسط الأشياء .
ولكن هذا الدليل هو الآخر يسقط منهارًا أمام تساؤلات المثالية والنسبية الفيزيولوجية والفردية أو . . أو . . التي تقول : أفليس من الممكن أن يكون الرمز كافيًا لتحديد اتجاه البشر في وسط الأشياء ، ثم لا يكون كاشفًا عما وراءه من حقيقة موضوعية . أفليس النبات أيضًا يُكيِّف ذاته وسط الحياة بالرموز ولكنه لا يعلم شيئًا ؟ ، أوليست الطبيعة كلها تجري وفق رموز متبادلة ؟ ، بل أليست الماكنة الحديثة تسير وفق رموز ولكنها لا تعي الحقيقة ؟ .
من هنا نعلم أن المادية الديالكتيكية عاجزة عن إثبات أية قيمة ثابتة للمعرفة . والواقع أن أية نظرية تنحرف عن منهج الحق ، وتبتغي السبل الملتوية ، لا يقدر لها النجاح .
2 - الجانب السلبي :
تعتقد الديالكتيكية بالنسبية التطورية التي تعني أن الفكر الإنساني لا يستطيع إلَّا معرفة بعض الحقائق ، ولكن لا بمعنى أن الحقيقة التي تحس وتدرك لا تمثل الواقع وتمثل الذات الشاعرة كما زعمتها النسبية الذاتية والنسبية الفردية ؛ لا بهذا المعنى ، بل بمعنى أن المعرفة ذاتها تنمو وتتكامل كأي شيء مادي آخر في الكون . ومن هنا يقول لينين : نستطيع بانطلاقنا من المذهب النسبي البحت تبرير كل نوع من أنواع السفسطة .
ويقول كيدروف : لكن قد توجد ثمة نزعة ذاتية ليس فقط حينما نعمل على أساس المنطق الشكلي بمقولاته الساكنة الجامدة ، وإنما أيضًا حينما نعمل بواسطة مقولاته المرنة والمتحركة . ففي الحالة الأولى نصل إلى الغيبية ، وفي الثانية نصل إلى المذهب النسبي والسفسطائية والانتقائية .
ويقول كيدروف أيضًا : أما المنطق الديالكتيكي فهو لا يواجه هذا الحكم بأنه شيء مكتمل ، بل بوصفه تعبيرًا عن فكرة قادرة على أن تنمو وتتحرك . ومهما كانت بساطة حكم ما ومهما بدا عاديًّا هذا الحكم ، فهو يحتوي على بذور أو عناصر ديالكتيكية تتحرك وتنمو
الفكر الإسلامي (مواجهة حضارية) — صفحة 95
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٩٥