أحس بالنور يبقى النور في مكانه ، ولا يتحول كله إلى الأعصاب . والأعصاب هي بذاتها حية فيها الحركة والطاقة تمامًا كما هو موجود في أسلاك الكهرباء ، والإثارة الخارجية لا تعدو أن تكون محركة لتلك الطاقة الموجودة .
ولمزيد من التوضيح نقارن المنبهات بالإرادة . فنحن جميعًا نعلم بوجود خطين في الأعصاب ؛ خط الاستقبال ، وخط التوجيه . فالمنبهات بالنسبة إلى خط الاستقبال تؤثر في الأعصاب حتى تحمل الإحساس إلى الدماغ . أما خط التوجيه فإنه يرسل بسببه الأوامر من الدماغ إلى الأعضاء . فالإرادة تبعث في الأعصاب ما تبعثه المؤثرات الخارجية فيها لكن باتجاه معاكس . وبما أن عملية التوجيه ليست بتحويل الطاقة إلى الأعصاب إذ إن الإرادة باقية محلها ، فإن عكسه - وهو خط الاستقبال - لا يحول الطاقة من الخارج إلى الأعصاب . وهي بالتالي تشبه المنبهات الآلية الموجودة في الطائرات المزودة بالرادار ، حيث إنها هي التي تنبه بالمؤثرات وليست عملية تحويل الطاقة تجري فيه كما تجري في محركاتها ونفاثاتها .
وهذا لا يجعلنا ننكر أي تحويل . فبالدقة : إن هناك جزءًا قليلًا من الطاقة يتحول من المنبهات إلى الأعصاب ( كالجزء القليل من الأشعة التي تنعكس على شبكة العين ) ، ولكن لا يعني هذا ( التحويل المطلق ) كما لا يعني تفسير الإحساس بعملية التحويل .
وقد خلطت المادية الديالكتيكية بين التحويل والتنبيه . هذه مفارقة .
ومفارقة أخرى : لم تفسر لنا المادية هنا كيف تتم عملية تحول الطاقة من فيزيولوجيا إلى سيكلوجيا ؛ أي كيف يعرف الإنسان ؟ وهذا هو السؤال الأهم في مشكلة المعرفة ، وإلا فتحويل الطاقة من الخارج إلى الأعصاب أمر يفهمه الأطفال إذا حدد بالإثارة والتنبيه فقط كما فعلنا آنفًا .
وهكذا سقطت الحجة عن قيمتها في مشكلة المعرفة وكانت أشبه بالفرار من الإجابة عن شيء إلى الإجابة عن شيء آخر .
وبعد هاتين المفارقتين نقول : المشكلة في تقييم المعرفة ومطابقتها للواقع الخارجي تبدأ أولًا - وعند المثالييّن - بالسؤال عن هذه المعلومات ( تحويل الطاقة و . . و . . و . . ) ذاتها ، فالمثاليون ينكرونها رأسًا ، فما هو الدليل على صحتها ؟
ولو افترضنا - جدلًا - صحة عملية التحويل هذه ، فهل في هذا أي دليل على المطابقة
الفكر الإسلامي (مواجهة حضارية) — صفحة 93
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٩٣