بإمكان التناقض ولكنهم إنما عنوا به ( كل تقابل . . . ) .
وقلنا : باستحالة التناقض وقصدنا ما يكون منه ( اجتماع الوجود والعدم ) فقط . والبون بعيد ، ولكن الاختلاف قائم على أشده .
هيغل ومن ورائه الماركسيون قالوا بإمكانية التناقض وكل أمثلتهم تدل على أنهم أرادوا منه مطلق تقابل شيء مع شيء آخر . فقالوا :
ألف : الدجاجة تتناقض مع الفروجة ، وهي تتناقض مع البيضة ! .
باء : وأن الهزيمة والانتصار وهما تتعاقبان في الجيش نوع من اجتماع النقيضين ! .
جيم : وأن الثمرة تتناقض مع الشجرة ! .
واضح أن المقصود في كل ذلك مجرد نوع من التقابل الذي لم ينكره أحد من الفلاسفة ، وليس معنى التناقض لدى هيغل اجتماع الوجود والعدم في شيء واحد ووقت واحد . وهل يمكن أن يكون هناك عاقل يعترف بإمكانية اجتماع وجود زيد وعدمه في الزمان ذاته ؟ وإمكانية صحة قانون وبطلانه ؟ وإمكانية أن يكون الجيش في معركة واحدة منتصرًا ومنهزمًا ؟ ! .
ومن هنا فإن جانبًا كبيرًا من الخلافات يتهافت بسبب تفسير اللفظ تفسيرًا مناسبًا . والجدير بالذكر أن هناك فريقًا من الغوغائيين استغلوا لفظة التناقض المشتركة في المعنى لأهدافهم الإعلامية ، فشرعوا يشنون حربًا غير شريفة ضد المنطق الشكلي ، زاعمين أنه جامد وغير معترف بالفوارق الموجودة في الطبيعة . هذا عن التناقض ، أما عن التطور ؟ فنتابع الحديث :
3 - لنفترض مرآة صافية إلى جنب نهرٍ جارٍ ، الماء يتدفق وصورته تنعكس على الشاشة الصافية . إن ثبات المرآة شرط ضروري لأمانة الصور المنعكسة فيها . فلو جاء شخص وأخذ يهزالمرآة ، فإنها تتعرض آنذاك للتشويش ، ولو فرض أن شخصًا قام فأخذ لقطة عن النهر أو عن المرآة ، فلابد أن تمثل لقطته لحظة معينه من تدفق الماء . ولكنها صورة أمينة للغاية ، لتلك اللحظة فقط .
إن هذه هي حقيقة المعرفة التي لا أعتقد بأن أحدًا ينكرها لو قُدِّرت له التذكرة بها ، فالمرآة هي المعرفة ، تعكس واقع الأشياء المتطورة ( كأنها نهر لا يتوقف انسيابه ) . ولكن لولا
الفكر الإسلامي (مواجهة حضارية) — صفحة 98
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٩٨