والمكان ، ولا يملك الإنسان نورًا يكشف به زيف هذه الزيادة وبُعدها عن الحقيقة ، ما دام الأمر كذلك فإن القول بأن الناس سواسية في الإضافات قول باطل ، لأن لكل إنسان شروطًا خاصةً بالإدراك ليست للفرد الآخر . ومن هنا فله إضافات ذاتية مخصوصة به ، فكل بشر يُدرك على شاكلته . ولهذا قالت هذه النسبية : لكل شخص حقيقة تخصه .
2 - وعلى هذا فليس من الصحيح الإيمان بصحة الرياضيات إذ إنها غير ثابتة هي الأخرى . بل قد يكون : 2 * 4 / 2 عندي ، ولكن عند غيري يساوي خمسة ، لماذا ؟ .
لأنه لا يملك أحد مقياسًا ثابتًا للمعرفة ؛ إذ يحتمل فساد معلوماته بإقحام التصورات النابعة عن شروطه الخاصة للإدراك .
هذه هي النسبية الفردية ، وقد فضَّلنا أن نسميها بالفردية مع أن المشهور تسميتها بالذاتية ؛ انطلاقًا من قاعدتها : إن لكل فرد نوعًا خاصًّا من الإدراك .
وهذه النسبية ليست إلَّا البنت الشرعية لنسبية ( كانت ) ، بل هي وليدة الكفر بنور العقل الكاشف لغياهب الذات ، والناقد للحس بطرقه الخاصة .
وقد سبق القول منا في الفصل الأول ، كيف أن العقل يحكم أحكامًا ثابتةً لا ريب فيها ولا تتفاوت بين شخص وآخر ، وقلنا كيف أن الذات منكشفة هي الأخرى وما تحس به لهذا النور المبين .
وبناء على تلك الحقائق - التي ذكَّرنا بها في ذلك الفصل - يبدو التشكيك في المعرفة البشرية غير المتأثرة بالهوى والغضب والتسرع تافهًا . إذ إن الإدراك العلمي لا يخضع لشروط شخصية ، وبالتالي فهو يثبت صامدًا أمام مؤثرات المادة .
والواقع أن جذر الخطأ في جميع مذاهب الشك والنسبية كامن في أمر واحد هو الخلط بين دور العقل ودور الجهل اللذين يتنازعان النفس البشرية . الجهل ( أي الذاتية والمصلحية والغفلة وما إلى ذلك ) يضغط على الإنسان لكي يعتقد بفكرة ولكن العقل يحكم على زيفها أو صحتها ثم يكون للإنسان كامل الحرية في اختيار أي الطرفين . وحين يصفو العقل ( باختيار الإنسان له ) فإنه يكشف عن الواقع . وإذا كشف فإن أي شيء لا يتمكن من تشكيك صاحبه في حكمه الذي يعتبره هو الحق .
الفكر الإسلامي (مواجهة حضارية) — صفحة 90
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٩٠