تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفكر الإسلامي (مواجهة حضارية) — صفحة 52

مساهمون:

ص٥٢
فإنهم يقولون : المعرفة أيضًا تتأثر بالشهوات وتتطور حسب الحالات ، فكانت النتيجة أن زعموا أن المعارف تتغير وتتطور كما الشهوات بالضبط . وانقسمت هذه المناهج على نفسها قسمين : فطائفة آمنت بأن المعارف - حينذاك - لا تعكس الحقائق الموضوعية إلَّا بصورة نسبية ، وقالت : ما دامت النفس هي التي تعرف ، وأن المعرفة بنتها الذاتية ؛ وما دامت هي في حالة متغيرة ، فإن المعرفة تتغير . وبما أن الواقع الخارجي لا يُماشي هذا التغير ، فإن المعرفة لا تعكس سوى بعض الواقع فقط . وفريق قالوا : ما دام الإنسان لا يدرك كل الواقع ، فما الذي يحملنا على الاعتراف بكل الواقع . بل نعكس ونقول : إن ما لا يدرك فهو غير موجود . ولقد انطوت هذه الفلسفات التي سنقوم بشرحها ، إن شاء الله ، انطوت على ضلالة بعيدة نشأت عن الغفلة عن نور العقل الذي يفضح النفس ويكشف تأثراتها . ولذلك فهي لا تستطيع أن تحجب عن الإنسان ، الحقيقة بسبب تأثراتها . ومن هنا نعرف أن النظريات النسبية الذاتية ، والنسبية الفردية ، والنسبية التطورية ، كلها نشأت من انحرافات كبيرة في المنهج ابتدأت من التركيز على جانب الانفعال في النفس ؛ جانب الضعف والسلبية والتأثر ، غافلةً عن جانب الفعل فيها ؛ جانب القوة والإيجابية والكشف . ولقد استبعد هؤلاء عن حسابهم ، منذ البدء ، قدرة العقل على كشف التأثرات الداخلية . وهذا هو الضلال البعيد الذي قاد ( فرويد ) أيضًا إلى صياغة نظريته عن اللا شعور حيث استبعد قدرة الإنسان على كشف ما في ( لا شعوره ) وجعله دائمًا يخضع لتأثرات ظروفه دون أن يعترف للعقل بقدرة الكشف عن تلك القدرة التي تفضح للإنسان هذه التأثرات . وهذا الاختلاف في المنهج بين الإسلام والنظريات الحديثة حول العلم ، يتبين في المثل التالي ( علمًا بأنه مجرد مثل ) : لنتصور أن رجلًا ماركسيّا نقابيًّا ، اقتضت ظروفه المعاشية المتردية وانتماؤه الطبقي كعامل صغير ؛ اقتضت انضمامه في الثورة ضد البرجوازية . هنا - وعلى رأي كل المناهج البشرية - ينظر إلى الحقائق من الزاوية الخاصة به ، ويدرك أن البرجوازية بناء استغلالي ماكر . فإذا تطورت ظروفه وأصبح مليونيرًا . . أو كان من قادة الحزب وأصبح بيوقراطيًّا محترفًا ، فلابد أنه - حسب هذه المناهج - يتطور تفكيره ، ويرى وجوب اتِّباع سياسة البرجوازيين بحق العمال والفلاحين . فماذا حدث بهذا الرجل ؟ لا ريب في أنه تغيَّرت نفسيته ، ولا
الفكر الإسلامي (مواجهة حضارية) — صفحة 52 | السيد محمد تقي المدرسي