وسوف نلتقي بهم في فصول قادمة ، إن شاء الله .
والإسلام أَوْلى جانب الحس أهمية مناسبة ، حيث دعا إلى النظر والسير والتحرك والتثبت ، في نصوص متضافرة . إلَّا أنه أَوْلى اهتمامًا أكبر لدور العقل الذي يُوجِّه الحس ويُمحِّص نتائجه ، والذي لولاه لأُصيب الفكر بالشلل الكامل .
ذلك لأنه لنفترض أننا أبعدنا العقل عن مجال الحس وأصبحنا مثل أولئك الحسيين الذين لم يعترفوا بدور العقل في توجيه الحس ، فسوف نرى كيف نتخبط في الضلالات حتى لا نستطيع كشف أية حقيقة مهما ضَؤُلَتْ بواسطة الحس . بل إن نكران العقل يدعونا إلى التشكيك في وجود أية حقيقة وراء الحس ، وينتهي بالإنسان إلى المثالية أو التشكيك التام .
أفليس من الممكن أن تكون رؤيتنا للأمور أشبه شيءٍ برؤية الحالم في منامه ؟ . أوليس من الممكن أن يكون الإحساس نابعًا من الأعصاب ذاتها وليس من الحقائق الخارجية ؟ . فإن لم يكن هناك نور لدى النفس يحكم بأن مصدر الإحساس حقيقة خارجية بصور جازمة ، لو لم يكن هذا فأية حجة تقدر على إثبات الحقائق وراء الإحساس ؟ .
والآن ، دعنا نسترسل مع هذا الافتراض لنرى نتائجه .
1 - إن أول ما يصدمنا في هذا الطريق إيماننا الذاتي بعقولنا ، وكلنا يؤمن - ذاتيًّا - بطائفة من المعلومات المسبقة ، ولا يمكنه أن ينفصل عنها مهما كلفه الأمر . نحن نؤمن مثلًا : بأن الفضيلة حسنة ولم نحس بها ، ونؤمن بأن التناقض ( اجتماع العدم والوجود ) محال ولم نره ، ونؤمن بمبدأ العلية ( كل حادث بحاجة إلى سبب ) ولم نشاهده . . صحيح أننا شاهدنا بأبصارنا الحجارة تقع على الأرض ، ولكن ما الذي دعانا إلى البحث عن راميها ؟ صحيح أيضًا أننا رأينا الحرارة تندلع من النار ، ولكن لم نشاهد أن النار هي التي أوجدت الحرارة . إذًا ، فما الذي يدعونا إلى اعتبار النار سببًا للحرارة ؟ ! .
2 - وصَرْح العلم الذي نفتخر به اليوم يقوم على أساس التجربة ، والتجربة تقوم على قاعدتي الحس والعقل . إن الحيوان لا يمكنه أن يكتشف من تجاربه شيئًا مع أنه يحس ، ربما أشد منا وأقوى . فالكلب ذو سمع شديد ، والصقر ذو بصر نافذ ، ولكنهما لا يملكان التجربة ، لأنهما يحسان فقط دون أن يعقلا . بل حتى التجربة لا تُشكِّل كل المعرفة البشرية . فإننا لا نملك في أي قانون من قوانيننا العلمية ؛ لا نملك التجربة الشاملة لجميع جزئياتها .
الفكر الإسلامي (مواجهة حضارية) — صفحة 54
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٥٤