دعنا نفترض قانون التجاذب الذي بشَّر به ( نيوتن ) ، هل جرب كل تجاذب في الكون ؟ . كلَّا هذا مستحيل ! . إن ما فعله لم يَعْدُ إجراء التجربة على بضعة حوادث حتى حصلت له قناعة تامة بأن أي حادثة أخرى لا تعدو أن تكون مثل تلك التي جرَّبها . وهذه القناعة من أين حصل عليها ؟ . من أين استطاع قياس ما يأتي بما مضى ؟ أفليس لحكم عقله بالمعادلة التالية :
إن التجربة الماضية دلَّت - بطريق الحس - على وجود تجاذب بين جسم وجسم مخصوصين ، وإن هذا التجاذب ليس صدفة وإنما هو بسبب وجود علة في الأجسام . وحسب عدة ملاحظات على أنواع من الأجسام ، تبيَّن أنه لا فرق بين نوع الأجسام في وجود هذه العلة فيها ، فدلَّ على أن كل الأجسام ذات قوة تتجاذب بها .
ترى ، كم حكمًا عقليًّا اشترك في إعطائنا هذا القانون العلمي ؟ . ومع أننا لا نرتاب في هذه الأحكام ، فإن أحدًا منا لا يدَّعي أنه قد جرَّبها هي الأخرى ، وأنه لولا التجربة لم يكن يعترف بها .
3 - بل ومن حقنا أن نتساءل عن قيمة التجربة ذاتها : كيف كانت لدينا قيمة للحس ، وكيف آمنا بها ، وكيف صدَّقنا بأنها لا تخطئ ؟ ليس لدينا إلَّا الوجدان والحكم العقلي الذي لا ريب فيه ، وإلَّا فهل من المعقول أن نقول : إن التجربة ذاتها دلَّت على قيمة التجربة ؟ .
4 - بعد كل هذا ، ينبغي أن نعود إلى أنفسنا لنتعرف على نوعية الانطلاق من الحس الجزئي إلى أبعاد أخرى . فكلنا يعرف أن الحس لا يعدو عملية انعكاس المؤثرات الخارجية على الأعصاب ، ونقل الأعصاب لها إلى المخ . وكلما تصورنا حدوثه في المخ ، فإنه لا يعدو أن يكون من نوع الإحساس .
فمثلًا : الإحساس بلون الشجرة عن طريق انعكاس الضوء على شبكية العين ، لا يحملنا أبدًا على الإيمان بأن كل شجرة لها اللون ذاته ؛ ذلك لأن الإحساس مقدر بقدر الشعاع المنعكس على العين ، وليس بقادر على شمول سائر الأشجار في العالم كله حتى يكون الإحساس المباشر هو الوسيلة لمعرفتنا بلونها الواحد في كل مكان . فإذا علمنا ذلك كان علينا أن نتساءل : ما هو السبب لتعميم نتيجة الحس ، والحكم بأن أي إحساس آخر سوف تكون له من النتائج والأسباب ما كان لهذا الإحساس ، حتى يتم بناء قانون علمي شامل ؟ .
وقبل أن نقول شيئًا في هذا المجال ، لابد أن نُفرِّق بين لونين من الامتداد في الإحساس ؛ فقسم نسميه الامتداد الكاذب ، والثاني ندعوه الامتداد الصحيح .
الفكر الإسلامي (مواجهة حضارية) — صفحة 55
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٥٥