ريب أنه تطورت أهواؤه ، ولكن هل المعرفة العقلية أيضًا تطورت فيه ؟ هل نسي معادلاته الرياضية ؛ مثلًا هل نسي أن 5 * 25 / 5 ؟ . أم أنه نسي نظرية فائض القيمة الماركسية بمجرد تطور حالته ؟ أم أنه لم يعد يتحسس بجمال التضحية ، وروعة الحق ، وحسن العدل ؟ .
صحيح أنه لا يريد أن يعرف كل ذلك ، ولكن هل هو فعلًا لا يستطيع أن يعرفها ، وهل افتقد ذلك النور الذي كان يعرف به تلك الحقائق ؟ هناك فرق بين ألَّا يريد وألَّا يقدر ، وكم من شيء لا يريده المرء وهو قادر عليه .
إن هذه المناهج اشتبهت مرة واحدة فوقعت في سلسلة لا تنتهي من التناقضات ، تلك المرة كانت حين وضعت النفس مكان العقل ، وحسبت أن تأثر النفس يعني تأثر العقل أيضًا . وكما سبق فنحن لا ننكر دور الحالات المؤثرة في طبيعة الإنسان ، ولكن ننكر أن تكون هذه الطبيعة كل شيء عند الإنسان . إنما نؤكد أن وراءها شيئًا آخر هو نور العقل .
ولقد ذكَّر الإسلام بدور ( الأهواء ) في تضليل الإنسان ولكنه لم يغفل عن دور الإرادة والعقل - والذي يجب الاعتماد عليه - في صياغة الإنسان . قال سبحانه : وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا وَاتَّبَعَ هَواهُ « 1 » .
في هذه الآية يُبين القرآن وجود علاقة بين الغفلة واتِّباع الهوى ، إلَّا أنه لا يجعل الهوى مؤثرًا في النفس إلَّا بإرادة الإنسان حين يقول : وَاتَّبَعَ هَواهُ . فالاتِّباع عمل ولا يحدث دون إرادة .
ويقول : بَلِ اتَّبَعَ الَّذينَ ظَلَمُوا أَهْواءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ « 2 » ، في هذه الآية ، يفصل القرآن بين العلم واتِّباع الهوى ، ويجعلهما مختلفين . ويأمر في آية ثالثة المؤمن بمخالفة الهوى ويجعل له في ذلك ثوابًا عظيمًا ، فيقول : وَأَمّا مَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى ( 40 ) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوى « 3 » .
جيم : الفكرة بين العقل والإحساس :
الإحساس هو المصدر الثالث والأخير من مصادر الفكرة . ودور الحس لا ينكر إلَّا من قبل أولئك المثاليين الذين نسوا دور العقل في توجيه الحس ، فأنكروا دور الحس أيضًا .
هامش
( 1 ) سورة الكهف ، آية : 28 .
( 2 ) سورة الروم ، آية : 29 .
( 3 ) سورة النازعات ، آية : 40 - 41 .