وفي المثال التالي تتضح كيفية توجيه الأسئلة الثلاثة إلى النفس وكيفية استخلاص النتائج الصحيحة منها :
رجل يعتقد بالثالوث المقدس - الأب والابن وروح القدس - آلهة جميعًا ، يتنبه في لحظة حاسمة ، فيوجِّه السؤال الأول إلى ذاته : إنني الآن أعتقد بتعدد الآلهة . حسنًا . هل أحب الاعتقاد بها ؟ . لافترض أني كنت في حضن أبوين ملحدين ولم أعتقد منذ الطفولة بالثالوث ، فهل كنت فعلًا أعتقد بها ؟ . ولأقارن : هل أعتقد أنا بجمال باريس إذا توفرت عندي الأدلة ذاتها المتوفرة في الثالوث المقدس ما دمت لم أُلقَّن منذ الصغر بأنها مدينة جميلة ؟ . كلَّا . . أفلا يكون هذا دليلًا على أن الحب - حب الأفكار السابقة مثلًا - وخدمة المصلحة الذاتية هما السببان الواقعيان للاعتقاد بالثالوث المقدس ؟ أفلا أستطيع أن أتصور نفسي مصداقًا لقول نبي الإسلام ( ص ) : «
كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ ، حَتَّى يَكُونَ أَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ وَيُنَصِّرَانِهِ . .
» « 1 » .
ثم يسأل نفسه ثانية : بأية حجة نرى عيسى إلهًا ؟ . أفلا يمكن أن يكون البشر رسولًا من الإله الواحد ، فلا يكون إلهًا ولا ابن إله ؟ .
ولنفترض : أن المصدر لهذا الاعتقاد كان إيمانه بالكتاب المقدس وأنه قد كتب فيه أن عيسى ابن الله . . فيوجه السؤال ويقول : هل إنني أعتقد بكل ما في الكتاب المقدس أم أنني أقوم بتأويل وتفسير طائفة مما فيه ، وهو ما يخالف عقلي أو مصلحتي ، فلماذا لا أقوم بتأويل هذا النص ؟ .
وأخيرًا يتساءل ويقول : لأتصور نفسي مكان رجل محايد ، هل كنت فعلًا أرى كل أقوال الكنيسة علمًا يقينًا ؟ .
وباستقامة هذا المنهج ، نكتشف انحرافات المناهج البشرية التي أبعدت عن حسابها نور العقل المبين ، فمادت من تحت أرجلها كل القواعد الفكرية وتزلزلت صروحها زلزالًا .
إن هذه المناهج لم تشأ أن تعترف بالعقل ، زاعمة أن العقل لا يعدو أن يكون - كما سبق القول فيه - مجموعة أحكام سابقية ، وليست قبسًا من نور قادر على كشف الحقائق جميعًا . ولم تشأ أن تعترف بهذا النور ، فزعمت أن النفس هي التي تفكر وتتصور . وبما أن أنصار هذه المذاهب يعترفون بأن النفس البشرية تتأثر بالشهوات وتتطور حسب الحالات ،
هامش
( 1 ) بحار الأنوار : ج 3 ، ص 281 .