تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفكر الإسلامي (مواجهة حضارية) — صفحة 50

مساهمون:

ص٥٠
جمًّا تحاول هذه الطاقة تبرير كل الوسائل المؤدية إليه ، حتى تخترع النفس معلومات ليست واقعية ، أو تفسير المعلومات التي لا تلائم بلوغ ما أحب بما يلائمها ، وهكذا . ويدعى هذا العمل في منطق القرآن ب - ( التسول ) « 1 » ، وليس منا من لم تراوده حالات التسول أو أحلام اليقظة بين فترة وأخرى . فما يحب الإنسان شيئًا إلَّا وتقوم هذه القوة بنسج أساطير غير صحيحة لتبرير ما يحب . ولكن لا يعني كل هذا أن إشعاع العقل ينحسر عن مجال الذات في هذه الحالات ، بل إنما النفس لا تستخدم هذا الإشعاع عندها ، إذ إن بقدرة النفس توجيه نور العقل بعيدًا عن الذات حتى لا يكشف الخبايا البعيدة فيها ويقضي على الأساطير المبتدعة . بعد هذه الملاحظات نعرف أن الحب قد يكون مصدرًا للفكرة بفعل ما سميناه بعملية التسول ، إلَّا أن الإنسان لا يضطر إلى الإنسياق مع هواه بل هو حر في اختيار طريقه . وهذه الحرية تحكم جميع قوى الإنسان والتي منها قوة الكشف عن الواقع ( أي : العقل ) التي تتصرف النفس فيها متى شاءت وقد تتغافل عنها نهائيًّا ، وبقدرة هذا النور يمكن كشف مصدر الفكرة هل هو العلم أم الحب ؟ . 5 - العقل يفضح الشهوات : بعد هذه الملاحظات التمهيدية التي سرعان ما يجد كل منا مثالًا حيًّا منها في حالاته الخاصة ، نستطيع أن نضع أيدينا على رأس الخيط لعملية نقد الأفكار الذاتية ، والتي تتلخص في توجيه ثلاثة أسئلة إلى النفس في محاولة لجرد الحقائق فيها عن الأهواء : 1 - هل أحب الاعتقاد بهذه الفكرة ؟ فلو لم تكن هذه الفكرة راسخة لدي منذ الطفولة ، أو لم تكن تخدم مصلحة لي . . فهل كنت أعتقد بها ؟ . 2 - ما هي الأسباب التي حملتني على الاعتقاد بهذه الفكرة ، وهل لو كانت هناك فكرة مشابهة لها في تلك الأسباب كنت أيضًا أعتقد بها ؟ . 3 - هل أن الناس كلهم يرون مثل ما أرى ؟ دعني أجعل نفسي مكانهم وأتصور ما إذا كانوا فعلًا يعتقدون بما اعتقدت به وهم يعيشون في ظروف مختلفة .
هامش
( 1 ) جاءت الكلمة في : سورة يوسف ، آية : 18 و 83 ، وسورة طه ، آية : 96 ، وسورة محمد ، آية : 25 .