ألف : تفترق المعرفة عن الحب في أننا نحب كثيرًا من الأشياء ونعلم أنها غير موجودة فعلًا ؛ إننا نحب الخلود حتى أنه قد يطغى علينا هذا الحب فينسينا العلم بالموت ، ونعمل كما أننا نعلم بالخلود . وإننا نحب السيطرة ونعمل في كثير من الحالات مدفوعين بهذا الحب ، بل زاعمين أننا نملك السيطرة فعلًا ، ولكن العلم الحقيقي يكشف لنا خلاف هذا الواقع .
باء : وتفترق المعرفة عن الحب أيضًا حينما نحب أن تكون كل معارفنا صحيحة وكل عقائدنا موافقة للحق . بيد أنَّا نُواجه - في كثير من الأوقات - حقائق تُكرهنا على إعاة النظر في معارفنا وعقائدنا والاعتراف بخطأها كليًا أو جزئيًا .
جيم : وتفترق مرة ثالثة المعرفة عن الحب ، عندما نحب أن تكون كل أمم الأرض تخدم مصالحنا الخاصة . في حين نعلم أن طائفة كبيرة منها تخالفها تمامًا ! . .
إن هذه الأمثلة تُوضِّح الفارق الكبير بين الحب والمعرفة ، إلَّا أنه رغم وجود هذا الفارق يواجه الفرد غموضًا بالغًا في التمييز بينهما . فمثلًا : حين يحب الإنسان ذاته يخادع نفسه عن نقائصها ، ويحاول إيجاد تبريرات لأخطائها ويريد أن يُوقع مسؤولية ما تصدر عنها على الآخرين . وحين يُحب المرء أبناءه ، يغمض عينًا عن كل ما فيهم من سيئات حتى يصبحوا مجموعة حسنات في عينيه ! . . وهكذا حينما يحب الإنسان مبدأ ، يركز نظره إلى محاسنه حتى يحذف دور عقله كليًّا في نقد المبدأ أو حتى في تطويره وينقلب إلى إنسان ممسوخ . ونعرف من ذلك كله : أن الإنسان يستطيع أن يُميِّز الفكرة النابعة من كشف الواقع ، والفكرة النابعة من حب النفس وهواها . لأن الأولى تمثل جانب القوة ، والثانية جانب الضعف في الإنسان .
2 - بين العقل والإرادة :
إن العقل بمثابة مصباح منير تملكه النفس البشرية وتنصرف فيه لرؤية الحقائق وكشفها ؛ متى ما تريد وكيف ما تريد . فإذا لم يرد الإنسان رؤية جمال العدل ، وحسن الآداب ، واستحالة التناقض ، يمكنه ألَّا يعرف ذلك فعلًا ، بألَّا يستعمل المصباح الذي أوتيه أو يدسُّه تحت التراب .
وهذه حقيقة قد تخفى علينا ، إلَّا أن من المؤكَّد - عمليَّا - أننا لسنا في كل لحظة نعلم جميع أحكام العقل ، وأننا في أي لحظة نريد التعرف عليها فهي لا تَعْصَى علينا . وهذه حجة كافية على أن العقل يدخل ضمن حرية الفرد واختياره فيستخدمه حينًا لمعرفة الحقائق
الفكر الإسلامي (مواجهة حضارية) — صفحة 48
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٤٨