تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفكر الإسلامي (مواجهة حضارية) — صفحة 47

مساهمون:

ص٤٧

باء : دور الهوى في تضليل الإنسان :

والمصدر الثاني للفكرة هو ما بالنفس من الجهل والغفلة والركون إلى الشهوات . وينبغي لنا أن نقدم عدة ملاحظات أولية لكي نعرف بوضوح تام كيف ينقد العقل الفكرة الصادرة عن المصدر الثاني ( النفس ) . 1 - بين العلم والحب : إن المعرفة هي النور الكاشف للحقيقة . ومعنى ذلك أنها لا تتأثر بالواقع المادي ، ولا تتطور حسب تطوره . ولقد قلنا آنفًا : إن الأحكام العقلية جازمة شاملة ثابتة وواحدة عند كل العقلاء ، وهي - بهذه الصفات - بعيدة عن التأثر بالواقع المادي . ولهذا تُمثِّل المعرفة جانب القوة في النفس ؛ أي جانب الكشف والاستجلاء ، لا جانب الضعف الذي يتلخص في التأثر والتطور والاستسلام لمقتضيات الظروف . فالمعرفة تعطي الإنسان قوة كبيرة لإخضاع الظروف المحيطة به ، وإنما قام الإنسان بإنجازاته الباهرة بعلمه . والإنسان يشعر - عندما يكشف الحقيقة - أنه أوتي قوة كبيرة . . وجاء في الحديث عن الإمام الصادق ( ع ) : « خَلَقَ اللهُ الْعَقْلَ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْيَاءَ : مِنَ الْعِلْمِ ، وَالْقُدْرَةِ ، وَالنُّورِ ، وَالمَشِيَّةِ بِالْأَمْرِ . . . » « 1 » ، وبالمقابل فإن للنفس البشرية جانبًا آخر هو جانب التأثر والانفعال ، جانب الضعف والسلبية . إنه جانب الهوى والشهوات ، جانب الحب والرغبات . لأن هذا الجانب هو الذي يدع الإنسان يخضع للظروف ويتطور حسبها . ذلك لأنه متى ما أحب الإنسان شيئًا تأثر به بقدر حبه له ، ووجب عليه أن يُعطي من ذاته تنازلًا له . إذن ، فطبيعة الحب تختلف عن المعرفة ، لأنهما يمثلان جانبين مختلفين في النفس . صحيح أن الإنسان لا يقدر على تمييز ذلك في كل وقت ، وصحيح أن ذلك بحاجة إلى أنواع من التجرد الموضوعي والنقد الذاتي ، كما أنه بحاجة إلى التفكر الممنهج . إلَّا أنه لدى ممارسة التمييز فترة طويلة يسهل ذلك على النفس حتى يبدو العلم والحب بعيدين عن أحدهما ، مميزين عن بعضهما . وفي الأمثال التالية ، بعض الفوارق العملية التي تعتبر نوعًا من التجربة الذاتية في حقل التمييز بين الحب والعقل :
هامش
( 1 ) بحار الأنوار : ج 1 ، ص 98 .