تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفكر الإسلامي (مواجهة حضارية) — صفحة 46

مساهمون:

ص٤٦
ولكنه قد يشك في أن سلب النملة رزقها ظلم ليكون منكرًا ، أم ليس بظلم فليس بمنكر . . وهذا بدوره على نوعين : ألف : إذ قد ينشأ هذا الريب من جهل البشر بطبيعة النملة ومدى ضرورة وجودها لحياة الإنسان . فلابد - لكشف ذلك - من التفكير المنهجي ، والتذرع بالوسائل العلمية . وهنا يحكم العقل عليه بأن يتثبت ولا يعجل في الحكم ، ذلك أن العجلة من الجهل ، فالتسرع يجر إلى مجموعة كبيرة من الأخطاء . وقد جاء في النصوص القرآنية توجيه بالغ الوضوح إلى التثبت ، فقال الله سبحانه : وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا « 1 » . وبحكم العقل بضرورة التثبت الكامل قبل الحكم على أي شيء يحرز العاقل العلم الصحيح ولا يتورط في أخطاء التسرع ، ولقد جاء في الحديث عن الإمام علي ( ع ) : « التَّثَبُّتُ رَأْسُ الْعَقْلِ . . » « 2 » . ب - اء : والقسم الثاني من تردد النفس في الأحكام العقلية ، ينشأ من تناقض الحكم العقلي مع المصالح الآنية للإنسان . ولذلك يبدو الحكم الواضح غامضًا بينما هو في الواقع ليس بغامض ، إنما يريد الإنسان أن يتصوره كذلك ليتخلص من مسؤولية الاعتراف به . فالرجل القوي الذي يعيش على حساب المستضعفين يحاول تبرير ظلمه بما يبعده عن توجيه نور العقل . إن هذا النوع من التردد هو الذي يقضي على طائفة ضخمة من الأحكام الصائبة عند النفس البشرية . وعلى الإنسان أن يناضل مع ذاته أبدًا ليبعده عن التأثر بالأهواء والشهوات ، وقد جاء في الحديث : « زَوَالُ الْعَقْلِ بَيْنَ دَوَاعِي الشَّهْوَةِ وَالْغَضَبِ » « 3 » . و « ذَهَابُ الْعَقْلِ بَيْنَ الهَوَى وَالشَّهْوَةِ » « 4 » . وسيتضح لدينا قريبًا دور هوى النفس وشهواتها في طمس نور العقل ، والذي قد يقضي على العقل كله ، ويدع النفس في ظلمات ما فوقها ظلمات . ومن كل ما سبق نكتشف الجواب الصحيح عن نوعية نقد العقل للأفكار الصادرة عن المسبقات العقلية ، وكيف تتمكن الذات من الثقة بنوع منها بعد أن تكتشف زيف النوع الآخر .
هامش
( 1 ) سورة الإسراء ، آية : 36 . ( 2 ) بحار الأنوار : ج 1 ، ص 160 . ( 3 ) مستدرك الوسائل : ج 11 ، ص 211 . ( 4 ) مستدرك الوسائل : ج 11 ، ص 211 .
الفكر الإسلامي (مواجهة حضارية) — صفحة 46 | السيد محمد تقي المدرسي