ولقد ابتعث الله الأنبياء ( عليهم السلام ) لكي يُذكِّروا البشر بما يملكه من نور العقل ، وأن يقولوا للإنسان : ارجع إلى نفسك وعُدْ إلى عقلك لتجد فيه الحل السريع لكل مشاكلك . إذ إن الإنسان لا يمكنه تذكّر عقله مع أنه أقرب الحقائق إلى نفسه ، لا يمكنه ذلك وهو يسترسل في طريق الهبوط مع طبيعته الجاهلة الضالة ويزعم أن المعلومات المضاءة بنور العلم والعقل هي حقيقتهما ! .
إن هذا الإنسان لا يُمكنه أن يتنبه إلى عقله إلَّا بهادٍ مُؤيَّد بالغيب يهز فيه الفكر ، ويُوقظ بداخله العقل . وهذا أولى وأسمى آيات رسالة كل رسول ، والتي يلخصها الإمام أمير المؤمنين ( ع ) بالقول : «
فَبَعَثَ فِيهِمْ رُسُلَهُ ، وَوَاتَرَ إِلَيْهِمْ أَنْبِيَاءَهُ ، لِيَسْتَأْدُوهُمْ مِيثَاقَ فِطْرَتِهِ . . وَيُثِيرُوا لَهُمْ دَفَائِنَ الْعُقُولِ
» « 1 » . وهكذا ينعت القرآن - وهو جملة رسالة النبي ( ص ) - ينعت القرآن نفسه بأنه تذكرة فيقول : طه ( 1 ) ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى « 2 » . ويجعل غاية التذكرة عودة الإنسان إلى عقله فيقول : لَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ كِتابًا فيهِ ذِكْرُكُمْ أَ فَلا تَعْقِلُونَ « 3 » ، ويجعل آياته نورًا ، لأنه يهدي الإنسان إلى العقل الذي يكشف له الحقائق الكبيرة في العالم ، ويجعله مقياسًا ثابتًا ومبينًا لأنه يضع للإنسان منهجًا فريدًا للمعرفة ويجعله هاديًا إلى سبل السلام ، وناقلًا للإنسان من ظلمات الجهل حيث يغفل الإنسان عن عقله ويتيه في الضلالات ، فيقول سبحانه : يا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثيرًا مِمّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتابِ وَيَعْفُوا عَنْ كَثيرٍ قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللّهِ نُورٌ وَكِتابٌ مُبينٌ ( 15 ) يَهْدي بِهِ اللّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْديهِمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقيمٍ « 4 » . وهذا النوع من التذكرة وظيفة الهداة إلى الله الذين لا يريدون فرض عقيدة على الإنسان ، بل إنما يريدون توجيهه إلى الحقيقة ليراها بعقله ، ولن يمكنهم ذلك دون إعادة إيمانه بعقله ، واسترداد ثقته بتفكيره .
2 - وقد تكون النفس واعية لما تملكه من نور العقل ، ولكنها تتردد في بعض الموارد بسبب تشابه الموضوع على العقل ، فمثلًا : لا ريب لدى النفس في أن الظلم منكر عظيم ،
هامش
( 1 ) نهج البلاغة ، الخطبة رقم : 1 .
( 2 ) سورة طه ، آية : 1 - 3 .
( 3 ) سورة الأنبياء ، آية : 10 .
( 4 ) سورة المائدة ، آية : 15 - 16 .