إن حكم العقل يعني كشف الذات للواقع الخارجي كشفًا واضحًا شاملًا وثابتًا . والفكرة لا يجب أن تكون دائمًا واضحةً شاملةً ثابتةً ، بل قد تكون كذلك وقد لا تكون ؛ والسبب في ذلك أن الفكرة من عمل النفس ، وتكون خاضعة لإرادة الإنسان ، فهي بحاجة إلى ( الانضباط المنهجي ) حتى تكون صحيحة صائبة ، وإلَّا تأثرت بالمؤثرات المادية كما تتأثر إرادة الإنسان بها . وبتعبير آخر : بما أن الفكرة عمل من أعمال النفس البشرية ، وبما أن كل عمل بحاجة إلى الإرادة ، فإن الفكرة خاضعة لإرادة الإنسان ، وأيّ ميوعة في إرادة الإنسان تعني عدم توجيه الفكرة وبالتالي عدم صحتها .
والسؤال : كيف تصدر الفكرة عن العقل ؟ .
الجواب : إن النفس قد تستغل الأحكام العقلية في استخراج أحكام أخرى ، فإذا كان هذا الاستغلال موضوعيًّا ، كانت تلك الأفكار المستخرجة مثل حكم العقل تمامًا واضحة شاملة ثابتة ، وإلَّا تعرضت للخطأ . . فمثلًا : قد نستخرج الفكرة التالية من حكم العقل : ( الشيء لا يمكن أن يخلق ذاته ) ، ونستطيع أن نُدلِّل عليها باستحالة التناقض ، إذ يجب أن يكون الشيء موجودًا قبل وجوده ، وهذا يعني أن يكون موجودًا وغير موجود في لحظة واحدة . وبتعبير آخر : كيف يمكن أن يخلق العدم شيئًا ، مع أن الخلق عمل والعمل لا يصدر إلَّا من شيء موجود ؟ . فإذًا : الشيء لا يمكن أن يخلق ذاته .
ففي مثل هذا النوع من الأفكار ، لا تكون عملية التفكير إلَّا استجلاءً للمعلومات السابقة ، واستيضاحًا للأحكام العقلية الموجودة . وحسب تعبير بعض المفكرين : إن التفكير المعتمد على المعلومات العقلية السابقة إن هو إلَّا فضّ الفكر ذاته . . ولهذا جاء في الحديث المروي عن الإمام الصادق ( ع ) : «
كَثْرَةُ النَّظَرِ فِي الْعِلْمِ يَفْتَحُ الْعَقْلَ
» « 1 » . فالعقل - إذًا - موجود ولكنه منغلق ويحتاج إلى عملية الفضّ . وعملية فض العقل ، وفتح نوافذه على العالم ، على نوعين :
1 - قد يكون الإنسان غافلا تمامًا عن نور عقله متوجِّهًا إلى معلوماته ، باحثًا فيها عن الحقيقة دون الرجوع إلى عقله والاستضاءة به ، ويكون مثله كمن يغفل عن الشمس وينشغل بالموجودات المضاءة بها . وهنا يحتاج الإنسان إلى من يُنبِّهه إلى ضلالته عن النور الذي يملكه هو لاكتشاف الحقيقة ، ويقوم فعلًا باكتشاف بعض الحقائق به .
هامش
( 1 ) بحار الأنوار : ج 1 ، ص 159 .