2 - قوى النفس :
كل عمل يعمله البشر فإنما تعمله روحه بسبب جسمه ، فالجسم آلة للروح « 1 » ، ( والأرواح القوية كأرواح السحرة والمرتاضين تعمل من دون الجسم أيضًا ) ، كما أن كل صفة يمتلكها البشر فإنما هي صفة نفسه لا صفة جسمه .
وفي النفس قوتان متعارضتان : قوة تجرُّها إلى الأرض ، وأخرى ترفعها إلى السماء ، وهما :
ألف : الجهل ، وهو من طبيعة النفس وذاتها وتنسب إليه الجاهلية . وهو منبت كل رذيلة كالشرك والكذب والكفر وعدم العلم وعدم الإرادة « 2 » .
باء : العقل ، وهو من الله سبحانه وهو أصل كل صفة حسنة كالعلم والحكمة ومعرفة الخير والشر والإرادة ، وبه يدرك الإنسان كل ما يريد .
وأبسط دليل على ذلك : أن كل فرد يشعر في نفسه أن قوتين تتغالبان في ذاته : قوة تريد مصلحته الخاصة وقوة تريد الحق . وقبل كل عمل فيه مصلحة الإنسان من جانب وضرر الآخرين من جانب ثانٍ يجد الفرد نفسه في معركة داخلية . ومن الممكن أن تغلب إحدى القوتين على الأخرى فيقوم الفرد بفعل ما فيه مصلحته مثلًا دون أن يشعر بقوة أخرى تمنعه عنه ، ولكن سرعان ما يجد في نفسه بعد إتمام العمل قوة تلومه وتوبِّخه ، وهي القوة الثانية التي استترت حين العمل بعض الوقت وخرجت بعده تُوبِّخ وتلوم « 3 » .
ودليل آخر على ذلك : أنَّا نجد أن بعض الناس يعملون من الصالحات ما ليس لهم فيه مصلحة أبدًا ، بل يقومون به لمجرد أنه عمل خيري ، ولربما نكون نحن - وفي بعض الأوقات - قد عملنا أعمالًا لم تكن فيها مصالحنا أبدًا .
هامش
( 1 ) في الحديث عن الإمام الصادق ( ع ) ، أنه قال : « الرُّوحُ مَسْكَنُهَا فِي الدِّمَاغِ ، وَشُعَاعُهَا مُنْبَثٌّ فِي الجَسَدِ بِمَنْزِلَةِ الشَّمْسِ دَارَتُهَا ( عينها ) فِي السَّمَاءِ وَشُعَاعُهَا مُنْبَسِطٌ عَلَى الْأَرْضِ ، فَإِذَا غَابَتِ الدَّارَةُ فَلَا شَمْسَ ، وَإِذَا قُطِعَتِ الرَّأْسُ فَلَا رُوحَ » . بحار الأنوار : ج 6 ، ص 111 .
( 2 ) يمكننا أن نعرف ببساطة : لماذا تكون الرذائل من طبيعة النفس وذاتها ؟ ، وذلك لأن كل ما يقترفه الإنسان من صفة نفسية سيئة كالكذب وما شابه ذلك فإنه إنما يرتكب ذلك لأن فيه هواه ، أي أنه يحب ذلك ؛ لأنه يتلذذ به أو بنتيجته . فنعرف من ذلك : أن هوى النفس وميلها مع الرذيلة . وإلى هذه الحقيقة يُشير الإمام أمير المؤمنين ( ع ) بقوله : « وَنَعُوذُ بِالله مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا » .
( 3 ) قال الله سبحانه : وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوّامَةِ ، ( أي قسمًا بتلك الروح التي تُوبِّخ الإنسان على أعماله السيئة ) .