2 - أينما ذهبت من هذا العالم ، ومن صادقت فيه من بني آدم ؛ رأيته يمدح الصفات الحسنة ويبغض الصفات السيئة ، فيرى الظلم والتعدي - مثلًا - أمورًا قبيحة بذاتها ، ويرى العدل والاستقامة حسنة بذاتها . . وحتى أولئك الذين يعيشون في الغابات بإفريقيا ، وأولئك الذين يهيمون في الصحاري والأدغال في أستراليا ( من الهنود الحمر ) ، يرون ذلك ويجعلونه مقياسًا يعرفون به الصالح من السيِّئ في الناس . وحتى أولئك الذين يُنكرون وجود العدل والخير الأزليين ، ويزعمون أن المادة هي كل شيء ، وأن كل شيء نسبي كالشيوعيين عندما يريدون أن يمدحوا أحدًا يقولون : إنه يضحي ، إنه يُؤثر المصلحة العامة ، إنه لا يظلم أحدًا ، إنه يُراعي حقوق العامل والفلاح ، وهكذا . كما إنهم إذا أرادوا ذَمَّ أحد نعتوه بالظلم والاستغلال .
وإذا قلت لأحدهم : أنت ظالم أنت معتدٍ ؟ .
قال لك : كلَّا . . وجاء بألف تعليل وعذر حتى ينفي عن نفسه الظلم والتعدي .
إن هذا دليل صارخ على وجود أصالة للمثل .
والإسلام يقول : إن وجود العقل والجهل في النفس ليس على صفة الدوام ؛ إذ إن من الممكن أن يضمحل أحدهما في مقابل الآخر إلى غير رجعة أو إلى حين .
أما قوة أحدهما فإنما هي بالممارسة ، يعني أن الذي يُرجِّح الجهل على العقل باستمرار ولا يتبع عقله أبدًا لابد ، يفقد عقله أخيرًا فلا يعود يشعر بحب الخير والحق « 1 » . أما الذي يتبع عقله باستمرار فإن الجهل سوف يذهب عنه نهائيًّا بحيث يصبح قدوة الآخرين في الفضيلة . إن هذا الفرد لا يحس بحبٍّ لنفسه ، إذا خالف الحق ، ولا يرى تعبًا في اتِّباع الحق والتضحية له .
كما أن العقل والجهل يتأثران بالتربية والتوجيه وبالوراثة والتغذية ، ولذلك فإن الدين يستخدم كل ذلك للإصلاح .
4 - الاصلاح :
يرى الإسلام أن إصلاح الناس إصلاحًا شاملًا إنما يكون باتِّباع هدى العقل ، ونبذ تسويلات الجهل ؛ ذلك لأن العقل لا يُميِّز الخير للناس عن الشر فقط ، بل يدفع الفرد
هامش
( 1 ) قال الله سبحانه في صفة هؤلاء : إِنَّ الَّذينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ ءَ أَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ( 6 ) خَتَمَ اللّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظيمٌ سورة البقرة ، آية : 6 - 7 .