تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفكر الإسلامي (مواجهة حضارية) — صفحة 342

مساهمون:

ص٣٤٢
إلى العمل بالخير ونبذ الشر ، وإذا اتَّبع الناس عقولهم ، أدوا حقوق بعضهم بعضًا ، وزادوا بالإحسان إلى بعضهم بعضًا . وهل ترى سعادة خيرًا من هذا ؟ . أما إذا غلب على الناس الجهل فانكب كلٌّ على عبادة ذاته والعمل لمصالحه الخاصة وتطرَّف كلٌّ في جلب الملاذ لها ، فهناك يعم الظلم والطغيان والفوضى والحسد والحقد واستعباد الآخرين . أما سَنّ القوانين ، المدعَّمة بالعقوبات والتنظيمات ، فهو لا يؤثر في إصلاح الناس أبدًا ؛ لأن المجتمع الذي يتَّبع الهوى ويتَّصف بحب متطرف للمادة ، هذا المجتمع لا يسنّ قانونًا إلَّا متأثرًا بهذا الحب ولا يطبقه إلَّا كذلك . ومن هنا فسوف يكون القانون والتنظيم وسيلة إلى تحقيق شهواته . أليس الإنسان هو الذي يسنّ القانون ويقر النظام ، أترى أنه لا يُمكنه الخروج عليه إذا أراد أو إذا خالف شهواته « 1 » . ولنفرض أن الإنسان قد نجح في تشريعه وتنظيمه وقلع جذور الجريمة ، فهل ينجح في إصلاح نفسه وتطهيرها من الحسد والحقد والقلق والاضطراب ؟ فأية وسيلة يتبعها لذلك ما دام قد نبذ العقل واتَّبع الهوى ؟ . 5 - المؤثرات : إن الإسلام يهدف بتوجيهاته أمرين : الأول : زيادة العقل . الثاني : تربية النفس « 2 » . أي أن تجعل النفس بحيث لا تهوى الشر كثيرًا .
هامش
( 1 ) عندما نعرض ميزات الإسلام التشريعية سوف نُبين أن تشريعات الناس لن تنفع في قلع جذور الشر والفساد . ( 2 ) إن هناك فرقًا بين الأمرين في أن زيادة العقل تؤثر في الإنسان ، وإن لم تكن تربيته النفسية مساعدة للصلاح ، فالفرد الموجَّه بالإيمان والإرادة والعقل يتمكَّن من تحقيق المعاجز في مغالبة نفسه وقهرها على الفضائل ، ولو كانت نفسه تتوق إلى الشر بسبب من التربية الفاسدة أو المحيط المائع أو ما أشبه . ومن هنا فإن الإسلام يهتم بهذا الأمر كثيرًا ، في حين أن التربية النفسية لا تفيد إلَّا بالنسبة إلى من رُبِّي في المجتمع المسلم ورُوعيت جميع أعماله بدقة متناهية . ومثل زيادة العقل كمثل زيادة قوة الجسم وحصانته عن الميكروبات ، كما أن مثل تربية النفس كمثل حفظ الجسم عن دخول الميكروب إليه أو قتل الميكروب بعد أن يدخل ؛ فالجسم القوي لا يبالي بالمكروب ، وكذلك صاحب العقل الحاكم لا يخاف من المحيط أو التربية ، ولكن الجسم الضعيف يراقب الميكروب حتى لا يدخل فيه .