إن الإنسان خلق حرًّا مختارًا ، وكل وجدان يشعر بذلك ، وعليه فمن حق كل إنسان أن يسترشد بعقله ويستخدم حريته كيف شاء من دون أن يكون لأي شخص آخر أن يُحدِّد حريته ، وما دام الإنسان خلق حرًّا وعاقلًا فإنه لا تمييز بين بني الإنسان ، ويقول على لسان الرسول ( ص ) : «
إِنَّ النَّاسَ مِنْ آدَمَ إِلَى يَوْمِنَا هَذَا ، مِثْلُ أَسْنَانِ المُشْطِ ، لَا فَضْلَ لِلْعَرَبِيِّ عَلَى الْعَجَمِيِّ ، وَلَا لِلْأَحْمَرِ عَلَى الْأَسْوَدِ إِلَّا بِالتَّقْوَى . .
» « 1 » .
فما دام الناس عباد الله فهم سواء ، وليس لأحد أن يظلم أو يطغى على أحد ويقول : «
مَنْ ظَلَمَ عِبَادَ الله كَانَ اللهُ خَصْمَهُ دُونَ عِبَادِهِ . .
» « 2 » .
وحرية الإنسان هي التي تُثبت ملكيته الخاصة ، ذلك لأن الملكية تجسيد للعمل ، والعمل جزء من الإنسان ، فإذا كان الإنسان حرًّا كان مالكًا لعمله ولما يؤدي إليه عمله . ولهذا يقول الإسلام : «
سِبَابُ المُؤْمِنِ فُسُوقٌ ، وَقِتَالُهُ كُفْرٌ ، وَأَكْلُ لحْمِهِ ( غيبته ) مَعْصِيَةٌ ، وَحُرْمَةُ مَالِهِ كَحُرْمَةِ دَمِهِ
» « 3 » .
وما دام البشر كلهم يملكون أنفسهم وأموالهم ف - «
إِنَّ النَّاسَ مُسَلَّطُونَ عَلَى أَمْوَالِهِمْ
» « 4 » ، فليس لأحد أن يُثري على حساب أحد ، كأن يُسخِّره أو يخدعه أو يغصبه أو يأكل ماله بالباطل . يقول الإسلام : «
لَا يَحِلُّ مَالُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلَّا بِطِيبَةِ نَفْسٍ مِنْهُ
» « 5 » .
ومن ذلك العمل بالمحرمات التي تضر المجتمع . . وهكذا عرفنا كيف ولماذا تُحدَّد حرية كل شخص إذا عارضت حرية الآخرين ؟ .
وإذا كان الناس أحرارًا فمنهم من يعمل كثيرًا ، ومنهم من يعمل قليلًا ومنهم ذكي ومنهم غبي « 6 » . وليس لنا أن نقول لهم : كونوا متساوين ؛ إذ لا حق لنا في ذلك ما داموا أحرارًا . وحينذاك فهل نمنع أجر الأفضل والأكثر عملًا ؟ فنمنعه حقه ونمنعه حريته ( مع أنه سوف يكسل عن العمل الأفضل فيتضرر الجميع ) أم الأفضل - كما يقول الإسلام - أن نُطلق حريته لكي ينشط ويتفنن ويُتقن
هامش
( 1 ) بحار الأنوار : ج 22 ، ص 348 .
( 2 ) نهج البلاغة : قسم الرسائل رقم : ( 53 ) من كتاب له كتبه للأشتر النخعي لما ولّاه على مصر .
( 3 ) الأصول من الكافي : ج 2 ، ص 359 .
( 4 ) بحار الأنوار : ج 2 ، ص 272 . عن النبي ( ص ) .
( 5 ) وسائل الشيعة : ج 14 ، ص 572 .
( 6 ) من الواضح أن الناس مختلفون اختلافًا طبيعيًّا بفعل العوامل الوراثية أو التربوية ، هذا الاختلاف نعمة من الله كي يتخذ كل فرد مكانه من العمل ؛ إذ من المعلوم أن الأعمال متفاوتة فإذا كان الناس متساوين اختار كلهم خير الأمور ، فينشأ النزاع . قال الله سبحانه : وَرَفَعْنا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا . سورة الزخرف ، آية : 32 .