تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفكر الإسلامي (مواجهة حضارية) — صفحة 280

مساهمون:

ص٢٨٠
الجواب : إن الطينة ( متخذة من لفظ الطين باعتبار أن أول الخلق كان طينًا لازبًا ) ؛ تعني خلق جوهر النفس . وهذا الجوهر قد يكون صالحًا يرغب في الصالحات ، وقد يكون طالحًا فيهوى الخطيئات . الناس بطبعهم الأولي على قسمين : فريق يُحب الخير بذاته ، وفريق يهوى الشر بذاته : قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدى سَبيلًا « 1 » و : كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ « 2 » . بيد أن هناك شيئًا آخر يُثبته الإسلام غير حبّ النفس وغير هواها ، ذلك هو الرأي . تلك هي القدرة التي تُوهب للإنسان وتجعل الفعل والترك سواء عندها ، تلك القدرة التي نُطلق عليها اسم ( الإرادة ) . وهي ليست مخلوقة مع النفس حتى تتأثر بالطينة ، بل إنها كالعلم موهبة إلهية . فولد الزنا - مثلًا - يحبّ الشر بذاته ولكن حينما يعمل الشر لا يعمله لأنه يحبه بل لأنه أراد ذلك ، بحيث لو أنه كان يريد خلافه - وإن كان صعبًا عليه - كان يستطيع أن يأتي به أيضًا . مثال ذلك : من تعود على التدخين يحب هذا العمل كثيرًا ، ويصعب عليه تركه ، ولكن لا يعني هذا أنه مجبور على ذلك . بل بإمكانه التغلُّب على هذه الصعوبة وترك التدخين . فالطينة والعادة وأكل مال الحرام وما أشبه تحدث حالات نفسية تهوى جانبًا من جانبين ، ومن الصعب مخالفته باختيار الجانب الآخر . ولكن بما أن الإرادة ليست من النفس فإنها حاكمة على هذا الحب والهوى وباستطاعة الإنسان بها أن يختار الجانب الآخر . وبعبارة وجيزة : الطينة تُسبِّب الحب والهوى ، وللنفس فوق الحب إرادة تُرجِّح ما تحبّ النفس وقد تُرجِّح ما تكره .
هامش
( 1 ) سورة الإسراء ، آية : 84 . ( 2 ) سورة الروم ، آية : 32 .