تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفكر الإسلامي (مواجهة حضارية) — صفحة 279

مساهمون:

ص٢٧٩
طبعًا لا ! . حيث إن علمك لا يؤثر في الواقع الخارجي ، فلست أنت الذي تقتل أخاك ، بل إن لموته سببًا خاصًّا ، وأنت فقط تعلم أنه سيموت . فالعلم ليس إلَّا معرفة الواقع كما هو وليس سببًا في صنع الواقع . وإليك مثلًا آخر : تعلم أن زيدًا سوف ينتحر غدًا بصورة إرادية واختيارية ، فهل يعني هذا : أنك قتلته ؟ أبدًا ؛ ذلك لأنه إنما انتحر بإرادته الخاصة ووفقًا لدواعي مخصوصة ، ولست أنت إلَّا عالمًا بما سوف يجري . فالعلم لا يؤثر في صنع الأمر والواقع ، بل في كشفه . ولدى مقايسه العلم بالمستقبل بالعلم بالماضي يُصبح الأمر أكثر وضوحًا ، لو أنك علمت بأن زيدًا مات أمس فهل يعني هذا أن لعلمك تأثيرًا في هذا الموت ؟ . وبما أن حقيقة العلم واحدة في الماضي والمستقبل فليس هناك مجال للقول بتأثير العلم في الواقع ، وعلم الله بالأشياء لا يعني أنه هو الذي يفعلها مباشرة . فإنه يعلم مثلًا أن زيدًا سوف يختار الكفر بحريته وإرادته على الإيمان ، وليس معنى هذا أنه تعالى يُجبره على ذلك . وبتعبير آخر : إن زيدًا يختار بين الكفر والإيمان ، ولابد أنه يختار بحريته التامة ، فأيًّا منهما يختار ؟ أنا لا أدري . ولكن الله يعلم بأنه سوف يختار - بكل حرية وإرادة - الكفر لا الإيمان . وهذا لا يعني سوى أنه يعلم بنتيجة الاختيار لا أنه هو الذي أجبر عليها صاحبها . أترى لو أنك عرفت أن لو خيَّرتَ ابنك بين دينار وبين متاع جميل قيمته نصف دينار ، وعلمت بأنه سوف يختار المتاع - بكل حرية - فهل معناه أنك أجبرته على اختيار المتاع ؟ . طبعًا لا ! . إنما أنت عالم فقط . 3 - ويقولون : إن طينة كل فرد قد خُلقت بشكل خاص . . ف - : « الشَّقِيُّ مَنْ شَقِيَ فِي بَطْنِ أُمِّهِ ، وَالسَّعِيدُ مَنْ وُعِظَ بِغَيْرِهِ . . » « 1 » ، وولد الزنا لا ينجب إلى سبعة بطون ، ومن انعقدت نطفته في حرام لا ينجب « 2 » . وهكذا الجينات الوراثية تؤثر في تعيين سلوك الفرد فهو مضطر إلى اتخاذ نوع خاص من السلوك ؛ فهو إذًا مجبور وليس بمختار ، كما يزعمون .
هامش
( 1 ) روضة الكافي : ج 8 ، ص 81 . ( 2 ) عَنْ أَبِي خَدِيجَةَ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ الله ( ع ) يَقُولُ : « لَا يَطِيبُ وَلَدُ الزِّنَا ، وَلَا يَطِيبُ ثَمَنُهُ أَبَدًا ، وَالْمِمْرَازُ لَا يَطِيبُ إِلَى سَبْعَةِ آبَاءٍ . وَقِيلَ لَهُ : وَأَيُّ شَيْءٍ الْمِمْرَازُ ؟ . فَقَالَ ( ع ) : الرَّجُلُ يَكْتَسِبُ مَالًا مِنْ غَيْرِ حِلِّهِ فَيَتَزَوَّجُ بِهِ أَوْ يَتَسَرَّى بِهِ فَيُولَدُ لَهُ فَذَاكَ الْوَلَدُ هُوَ الْمِمْرَازُ » . الفروع من الكافي : ج 5 ، ص 225 .