ولنعرج على الشبهات للرد عليها وبيان تفاهتها :
1 - إن الإنسان مفطور على حب ذاته وحب مصلحته الخاصة ، فهو يسير بصورة طبيعية وراء ما ينفعه . والمصالح المختلفة هي التي تُحدِّد اتجاهه في الواقع وفقًا لملابسات نفسه ، فهي إذًا الرائدة للإنسان نحو ما تقتضيه من اتجاه . ومن هنا ظهرت الجبرية الاقتصادية والاجتماعية والنفسية التي قال بها كل من : ( ماركس ، دركهايم ، فرويد ) .
والجواب : صحيح أن النفس تهوى ذاتها بصورة طبيعية ، وأن الإنسان يحاول دائمًا أن يجلب إلى نفسه النفع ويدفع الضرر ، ولكن هذا لا يعني أن النفس مجبورة على اتِّباع هذا الهوى وهذا الحب . إن النفس تملك - بإذن الله - قوة فوق قوة الحب وهي قوة الرأي وقوة الإرادة ، فتختار حينًا ما تحب النفس فتتبع بذلك هوى النفس ، وتختار حينًا آخر ما تكره النفس وخلافًا لما تحب . وبعبارة شاملة : إن هناك فرقًا واضحًا بين أن تكون حركة الإنسان وراء مصالحه حركة لا إرادية وجبرية كحركة الشمس حول الأرض ، وأن تكون إرادية . بمعنى أن باستطاعة البشر أن يتوقف عن السير ولا يستمر في جلب المنافع ، لا يأكل ولا يكتسب ولا ينكح تمامًا كما يفعل الزُّهَّاد وبعض الثائرين .
والوجدان شاهد على أن للبشر مقدرة كافية في مخالفة النفس بالسير في اتجاه آخر ، وهذا هو الشرف الإنساني الذي يتميَّز به عن كل حي آخر . كما أن باستطاعة الإنسان أن يُخالف تقاليد الاجتماع وإن سبب له ذلك ضررًا كبيرًا ، وأن يُغَلِّب حالته النفسية باتجاه معاكس .
2 - ويقولون : أليس الله يعلم أن عباده يُذنبون علمًا سابقًا على وجود ذنبهم ؟ . ثم أليس الله عليم ولا يجهل ولا يمكن أن يُخطئ ؟ . إذًا فلو علم الله أني أكذب فإني لا أقدر على ألَّا أكذب ؛ إذ لو لم أكذب إذًا لزم أن يكون علم الله جهلًا ؟ .
الجواب : بالرغم من أن هذه الشبهة تعتبر قوية في الأوساط الفلسفية فإن جوابها واضح وبسيط يُعرف بعد أن نفهم واقع العلم ، ولنأتِ له بمثل :
إنك تعلم أن أخاك سوف يموت بعد مئة سنة علمًا يقينًا فماذا يعني هذا العلم ، وما هو تأثيره في الحدث ؟ . يعني أن الواقع الخارجي الذي يحدث بعد مئة سنة قد انكشف لك بصورة واضحة ، وهل هناك شيء آخر يؤثر في الواقع ؟ .
الفكر الإسلامي (مواجهة حضارية) — صفحة 278
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٢٧٨