يجري في المستقبل . ولكن ما كتب في هذا اللوح يتبدل بإرادة الله حيث قال : يَمْحُوا اللّهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ « 1 » .
3 - إن كل عمل يجري من العبد ، فهو إنما يُقَدَّر من قبل الله ، أي بما أعطاه الله من قوة وبما وفَّر له من ظروف مواتية . وجاء في الحديث عَنِ الْبَزَنْطِيِّ قَالَ : « قُلْتُ لِلرِّضَا ( ع ) : إِنَّ أَصْحَابَنَا بَعْضُهُمْ يَقُولُ بِالْجَبْرِ وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ بِالِاسْتِطَاعَةِ ؟ ! .
فَقَالَ ( ع ) لِيَ :
اكْتُبْ : قَالَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى : يَا ابْنَ آدَمَ ! بِمَشِيَّتِي كُنْتَ أَنْتَ الَّذِي تَشَاءُ لِنَفْسِكَ مَا تَشَاءُ ، وَبِقُوَّتِي أَدَّيْتَ إِلَيَّ فَرَائِضِي ، وَبِنِعْمَتِي قَوِيتَ عَلَى مَعْصِيَتِي ، جَعَلْتُكَ سَمِيعًا بَصِيرًا قَوِيّا ، مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ الله ، وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ ، وَذَلِكَ أَنِّي أَوْلَى بِحَسَنَاتِكَ مِنْكَ وَأَنْتَ أَوْلَى بِسَيِّئَاتِكَ مِنِّي . وَذَلِكَ أَنِّي لَا أُسْأَلُ عَمَّا أَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ . .
» « 2 » .
وفي حديث آخر عَنِ الإمامِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ ( عليه السلامهما ) قَالَ : «
سَمِعْتُ أَبِي عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ ( عليه السلامهما ) يَقُولُ : الْأَعْمَالُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَحْوَالٍ : فَرَائِضَ ، وَفَضَائِلَ ، وَمَعَاصٍ .
فَأَمَّا الْفَرَائِضُ : فَبِأَمْرِ الله تَعَالَى وَبِرِضَا الله وَبِقَضَائِهِ ، وَتَقْدِيرِهِ ، وَمَشِيَّتِهِ ، وَعِلْمِهِ .
وَأَمَّا الْفَضَائِلُ : فَلَيْسَتْ بِأَمْرِ الله ، وَلَكِنْ بِرِضَا الله ، وَبِقَضَاءِ الله ، وَبِقَدَرِ الله ، وَبِمَشِيَّةِ الله ، وَبِعِلْمِ الله .
وَأَمَّا المَعَاصِي : فَلَيْسَتْ بِأَمْرِ الله ، وَلَكِنْ بِقَضَاءِ الله ، وَبِقَدَرِ الله ، وَبِمَشِيَّةِ الله ، وَبِعِلْمِهِ ثُمَّ يُعَاقِبُ عَلَيْهَا
» « 3 » .
( تقدير الله يعني : تحديده للأشياء . وقضاؤه : تهيئة الوجود للأشياء . ومشيئة الله : نعمته بهذا الإعطاء أولًا . وعلم الله : أنه كان يعلم منذ الأزل ) . هذا ، وإن واحدًا من هذه لا يُخالف الاختيار ؛ إذ إن الله شاء أن يكون العبد مختارًا ثم قَدَّر ، وقضى ذلك بإعطائه الاستطاعة ، فكان صدور الفعل منه بالاختيار وبقضاء من الله يعني : أن الله لم يمنعه بل أذن له في ذلك . فلو أنه كان يسلب القدرة في اللحظة الأخيرة لم يتمكن من الفعل أبدًا ولكنه لم يفعل .
هامش
( 1 ) سورة الرعد ، آية : 39 .
( 2 ) بحار الأنوار : ج 5 ، ص 57 .
( 3 ) بحار الأنوار : ج 5 ، ص 29 .