تقرأ ؟ ولكن هاهنا واقع يجب ألَّا ننساه وهو أن هذه القدرة التامة على الفعل والترك بنسبة واحدة ليست من ذات الإنسان . هذه السلطة والإرادة الحرة ، قوة يهبها الله للإنسان حينما يتردد بين الفعل والترك . فهي تمامًا مثل موهبة العقل وموهبة العلم ، فباستطاعة الله ألَّا يعطي عبده هذه القدرة فيصبح لا إراديًّا أو مجنونًا ، ولذلك فإن العبد في الوقت الذي هو مختار بكل معنى الكلمة في أن يترك وأن يعمل ، فهو تحت سلطان الله المطلق ؛ لأن اختياره هذا وقدرته هذه مستمدة وموهوبة من الله . فهو مختار في حدود صلاحياته الموهوبة له لذاته ، لذلك فإن الله إذا أراد أن يمنعه من الحرية سلبه هذا الاختيار . وهذا جوهر كلام الإمام الصادق ( ع ) : «
لَا جَبْرَ وَلَا تَفْوِيضَ بَلْ أَمْرٌ بَيْنَ أَمْرَيْنِ
» « 1 » ، ذلك لأن الجبر يعني أن الإنسان لا إرادة له ولا رأي مستقل ، بل إنه مضطر ومجبور من قبل الله أو بسبب القوى الطبيعية . وهذا يسلب الفرد تكاليفه ومسؤولياته تجاه أعماله ؛ ذلك لأن المجبور لا تكاليف له ولا عقاب عليه .
والنصوص التالية تشرح هذا الواقع وتشهد له :
1 - عَنِ الْوَشَّاءِ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ الرِّضَا ( ع ) قَالَ : « سَأَلْتُهُ فَقُلْتُ : اللهُ فَوَّضَ الْأَمْرَ إِلَى الْعِبَادِ ؟ .
قَالَ ( ع ) : اللهُ أَعَزُّ مِنْ ذَلِكَ ! .
قُلْتُ : فَأَجْبَرَهُمْ عَلَى المَعَاصِي ؟ .
قَالَ ( ع ) : اللهُ أَعْدَلُ وَأَحْكَمُ مِنْ ذَلِكَ ! .
ثُمَّ قَالَ ( ع ) : قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ :
يَا ابْنَ آدَمَ ! أَنَا أَوْلَى بِحَسَنَاتِكَ مِنْكَ وَأَنْتَ أَوْلَى بِسَيِّئَاتِكَ مِنِّي ، عَمِلْتَ المَعَاصِيَ بِقُوَّتِيَ الَّتِي جَعَلْتُهَا فِيكَ
» « 2 » .
ومثال بسيط يكفي معنى هذا الحديث ، فلو وهبت لصديقك ، وهو رجل عاقل ، دينارًا فذهب واشترى به متاعًا حسنًا ، فمن الذي يُنسب إليه شراء المتاع ، أنت أم هو ؟ . طبعًا أنت ؛ لأنه لولا أنك أعطيته الدينار لم يستطع من شراء المتاع . ولو أنه اشترى به مسدسًا وقتل به نفسه فمن المسؤول ، أنت أم هو ؟ . طبعًا هو ؛ لأنك أقدرته على المال ولم
هامش
( 1 ) بحار الأنوار : ج 4 ، ص 197 .
( 2 ) بحار الأنوار : ج 5 ، ص 15 .