وأغرب من هذا أنه قد يتفق أن يرى الواحد منا رجلًا لأول مرة في عمره ويحسّ بأنه صديق منذ الأزل بما يكن له من حب ومعرفة سابقة . ولا يكون هذا دليلًا على أن الأرواح كانت تعيش في أبدان سابقة ثم انتقلت إلى أبدانها الجديدة كما زعم القائلون بالتناسخ حديثًا ، وإنما هو دليل على وجود مسبق للروح على الجسم .
3 - أن حياة الجسم بالروح ، وأن واقع الموت لا يعني سوى انفصال الروح عن الجسم ، وهو أشبه شيء بالنوم الذي تنفصل فيه الروح عن الجسم قليلًا . وكما جاء في الحديث عن رسول الله ( ص ) : «
وَالَّذِي بَعَثَنِي بِالحَقِّ لَتَمُوتُنَّ كَمَا تَنَامُونَ ، وَلَتُبْعَثُنَّ كَمَا تَسْتَيْقِظُونَ . .
» « 1 » .
كما جاء في حديث آخر عن الإمام الباقر ( ع ) : «
كَانَ فِيمَا وَعَظَ بِهِ لُقْمَانُ ابْنَهُ أَنْ قَالَ : يَا بُنَيَّ . . . وَإِنَّمَا النَّوْمُ بِمَنْزِلَةِ المَوْتِ ، وَإِنَّمَا الْيَقَظَةُ بَعْدَ النَّوْمِ بِمَنْزِلَةِ الْبَعْثِ بَعْدَ المَوْتِ . .
» « 2 » .
وكما تُعذَّب الروح في حالة النوم بالأحلام المزعجة ويتأثر البدن بذلك إيلامًا ، وتنعم بالأحلام الطيبة فتنعكس آثارها على الجسم أيضًا ؛ كذلك يكون بعد الموت .
الجبر والاختيار :
يتحدث الناس عما إذا كانوا مختارين في أعمالهم أم مجبورين من قبل الله عز وجل ومن قبل قوى الكون . وهناك موضوع آخر سيأتي تحت عنوان ( القضاء والقدر ) حيث يجري الحديث حول أنه ما معنى أن الله قدَّر هكذا ، أو قضى هكذا ؟ أيمكن أن يكون معناه أنه سبحانه يجبر الناس ويضطرهم على ما هم عاملون ، أم له معنى آخر ؟ .
ولابد لنا في الموضوع الأول أن نقول :
إن الوجدان الشخصي الذي هو أكبر شاهد على الحقيقة ، يشهد بأن الإنسان عندما يقوم بأعماله العادية ، يكون متمتعًا بحرية تامة في الاختيار ، ومعنى ذلك أنه يجد نفسه حينذاك غير مُكره على اختيار أحد الطرفين ، وأن له استطاعة تامة في أن يُقْدم أو لا يُقْدم ، يعمل أو يترك ، يختار هذا الطريق أو ذاك . ألست ترى نفسك حينما تنتقل من وإلى البيت أنك تخطو باختيارك ، ولك أن ترجع ؟ وحينما تقرأ كتابًا أنك تقرأ بحريتك ولك ألَّا
هامش
( 1 ) بحار الأنوار : ج 7 ، ص 47 .
( 2 ) بحار الأنوار : ج 13 ، ص 417 .