تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفكر الإسلامي (مواجهة حضارية) — صفحة 274

مساهمون:

ص٢٧٤
رحم أمه ، وأُدخل في كل بدن بعد أن بلغ أربعة أشهر في الرحم روحه الخاصة به بسبب حكيم ، وأخرجه إلى الدنيا ثم أماته فانتقلت الروح إلى مكانها معذبة أو منعمة حتى تُعاد إليه مرة أخرى . . والفترة التي تمتد بعد الموت إلى حين البعث تُعتبر فترة الهجعة والرقدة ؛ ذلك لأن الروح في الوقت التي تنفصل عن الجسم تبقى ذات علاقة به ، تُشبه علاقة الشمس بالأرض ، تبعث إليها بالنور من دون أن تدخل فيها . هنا تنكشف عدة أمور : 1 - أن الأرواح كان لها وجود مستقل وسيبقى لها ذلك بعد انفصالها عن الأبدان ، ولها أعمال خاصة بها قبل وبعد ورودها في الجسم . وهذا يعني أنها محدودة وبإمكانها القيام بأعمال مستقلة . وقد كانت الفلسفة اليونانية تعتقد أن الروح مجردة عن المادة وليس لها مكان ولا زمان ولا حد ، ولكن الإسلام سفَّه هذه الفكرة وبيَّن أن الأرواح مادية « 1 » تتشكل من أجزاء لطيفة ، وأن لها حدودًا وأعمالًا . فبالإضافة إلى وجدان كل منا بأن نفسه ليست مطلقة وإنما هي محدودة ضمن المكان والزمان فتكون هنا ولا تكون هناك ، وبالإضافة إلى شعور كل واحد منا بأن نفسه لم تكن ثم كانت ، بالإضافة إلى هذا الوجدان فإن هناك دليلًا واضحًا على محدودية الأرواح ومحدودية إمكاناتها العملية بعد انفصالها عن الجسم ، وهو ما كشفت عنه الاتصالات التي جرت بطريق أو بآخر مع الأرواح بأساليب حديثة وسُئلت عن إمكاناتها وخصائصها مما عُلِمَ منها أن كل روح محدودة بحدود خاصة ، ولها أعمال خاصة منفصلة عن الجسم . ومن هذا الواقع نعرف الرد على شبهة فلسفية حول المعاد تقول : إن الروح تبقى - على القول بالمعاد - معطلة ، فلابد لها من الحلول في جسم جديد لكيلا تبقى معطلة . ورد هذه الشبهة أن الأرواح تتمكَّن من القيام بأعمال مستقلة ، فإذا خرجت من الأجسام بدأت نشاطاتها الخاصة ولم تبقَ معطلة كما يقول صاحب الشبهة . 2 - أن الأرواح قد تتذكَّر من عالمها السابق أشياء ، فقد ثبت علميًّا أن الإنسان قد يعلم كثيرًا من الأشياء من دون معلم . مثلًا : يذهب إلى مدينة لأول مرة في عمره ثم هو يهتدي إلى أسواقها ومعالمها وشوارعها ، ويتذكر أنه سبق له أن رأى هذه المدينة بكل تأكيد .
هامش
( 1 ) حين نقول ( مادية ) لا نقصد بها أنها مثل المواد المحسوسة ، ولكن نقصد أنها مخلوقة ومحدودة وذات كثافة من نوع مختلف عن كثافة ما نراه من المواد .