تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفكر الإسلامي (مواجهة حضارية) — صفحة 272

مساهمون:

ص٢٧٢
والإسلام يُقدِّر أن الجسم والروح كلاهما يلتذان أو يتألمان ؛ مستدلًا على ذلك بالوجدان . فكل فرد منا يرى أن جسمه هو الذي يتألم ويلتذ بالإضافة إلى روحه الحساسة . وعلى هذا فلابد أن يُجازي الله كِلَا الجزأين : الروح والجسم معًا ؛ لأن الاكتفاء بمجازاة أحدهما دون الآخر مخالف لحكمة الله تعالى . ولهذا فقد أوضحت الأديان ، إلى جانب ، العقول أن المعاد لا يقتصر على الأرواح بل يشمل الأجسام . ولابد أن يكون المُعاد نفس الجسم المتألم والمتنعم . إذًا ليس من الصحيح أن نقول : إن الله يُعذِّب أو يُنعِّم روح البشر في أجسام جديدة ، كما قال به بعض من كتب حول المعاد . ثم إن الإسلام يُقدِّر حقيقة في أصل الخلق كما يكتشفها العلم الحديث فيقول : إن الله خلق الناس جميعًا أولًا وبدفعة واحدة من دون أن يُخرج بعضهم من أصلاب أو أرحام بعض ، خلقهم من الأرض بصورة أجسام صغيرة للغاية ، عبَّرت عنها الأحاديث بالذر ؛ ولذلك سمي العالم الذي كانت تعيش فيه بعالم الذر ، ثم أُدرجت الأبدان الصغار في أصلاب الآباء وحوَّلها الآباء إلى أرحام الأمهات وجعل كل من شاء في صلب كل من اختار . وإن تلك الأجسام الصغار تنمو في الأرحام بجمع مواد جديدة إلى نفسها تُصبح كثيرة من دون أن يتغير من موادها الأصلية شيء ، وإنما التبدلات التي تحدث في خلايا الجسم لا تشمل المواد الأصلية وإنما تقتصر على المواد الإضافية التي تعتبر بمنزلة الهواء في الرئة والغذاء في المعدة . تكشف لنا هذه الحقيقة ظواهر كثيرة من جملتها : بقاء جميع الخواص في الجسم منذ أن كان جنينًا إلى أن يموت ، وشعور الإنسان بأن جسمه لم يتبدَّل رغم علمه ومعرفته بتبدل أجزائه كلها . بعد توضيح هذه الحقيقة نقول : إن الذي يعود من جسم الإنسان هو ذلك البدن الذري الناعم الصغير الذي كان يتألم ويلتذ منذ أن كان جنينًا إلى أن مات وقُبِرَ ، وإن هذا البدن لا يُعَدُّ من أجزاء بدن آخر إلَّا في وقت محدود ثم يخرج ليعود في التراب أو في الهواء أو في أي مكان آخر ، ثم يجمعه الله سبحانه مرة أخرى وقد يُخرجه في يوم البعث بإضافة أجزاء جديدة عليه ليكون إنسانًا عاديًّا . وقد لا يفعل ذلك ، بل يُخرجه بنفس الحجم الأصلي
الفكر الإسلامي (مواجهة حضارية) — صفحة 272 | السيد محمد تقي المدرسي